قال نظام الدين النيسابوري:
التأويل: إن خمر الظاهر كما يتخذ من أجناس مختلفة كالعنب والتمر والعسل والحنطة والشعير وغيرها، فكذلك خمر الباطن من أجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وأمثالها. وهذه تسكر النفوس والعقول الإنسانية التي هي مناط التكليف فلهذا حرمت فِي عالم التكليف، وأما ما يسكر القلوب والأرواح والأسرار فهو شراب الواردات فِي أقداح المشاهدات من ساقي تجلي الصفات إذا دارت الكؤوس انخمدت شهوات النفوس، فتسكر القلوب بالمواجيد عن المواعيد، والأرواح بالشهود عن الوجود، والأسرار بمطالعة الجمال من ملاحظة الكمال، وهذا شراب حلال لأنه فوق عالم التكليف، وإنه يمزج الكثيف باللطيف فيه {ومنافع للناس} وملاذ لأهل القرب والاستئناس.
فصحوك من لفظي هو الوصل كله ... وسكرك من لحظي يبيح لك الشربا
فما مل ساقيها وما مل شارب ... عقار لحاظ كأسه يسكر اللبا
قوم أسكرهم وجود الشراب وقوم أسكرهم شهود الساقي.
فأسكر القوم دور كأس ... وكان سكري من المدير
الكأس والشراب والساقي والمسقي ههنا واحد كما قيل:
رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها وتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
وإثم الإعراض عن كؤوس الوصال فِي النهاية أكبر من نفع الطلب ألف سنة فِي البداية. أما الميسر فإثمه كبير عند الأخيار وإنه بعيد عن خصال الأبرار، ولكن نفعه عدم الالتفات إلى الكونين، وبذل نفوس العالمين فِي فردانية نقش الكعبتين. {وإثمهما أكبر من نفعهما} لأن إثمهما للعوام ونفعهما للخواص، والعوام أكثر من الخواص. وبعبارة أخرى الإثم فِي الخمر الظاهر والميسر الظاهر، والنفع فِي الخمر الباطن والميسر الباطن، وأهل الظاهر أكثر من أهل الباطن والله أعلم. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 1 صـ 611 - 612}