قوله: {فلا تحل له} أي تحرم عليه وذكر قوله: {من بعد} أي من بعد ثلاث تطليقات تسجيلاً على المطلق، وإيماء إلى علة التحريم، وهي تهاون المطلق بشأن امرأته، واستخفافه بحق المعاشرة، حتى جعلها لعبة تقلبها عواصف غضبه وحماقته، فلما ذكر لهم قوله {من بعد} علم المطلقون أنهم لم يكونوا محقين فِي أحوالهم التي كانوا عليها فِي الجاهلية.
والمراد من قوله: {تنكح زوجاً غيره} أن تعقد على زوج آخر، لأن لفظ النكاح فِي كلام العرب لا معنى له إلا العقد بين الزوجين، ولم أر لهم إطلاقاً آخر فيه لا حقيقة ولا مجازاً، وأياً ما كان إطلاقه فِي الكلام فالمراد فِي هاته الآية العقد بدليل إسناده إلى المرأة، فإن المعنى الذي ادعى المدعون أنه من معاني النكاح بالاشتراك والمجاز أعني المسيس، لا يسند فِي كلام العرب للمرأة أصلاً، وهذه نكتة غفلوا عنها فِي المقام.
وحكمة هذا التشريع العظيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق أزواجهم، وجعلهن لُعباً فِي بيوتهم، فجعل للزوج الطلقة الأولى هفوة، والثانية تجربة، والثالثة فراقاً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي حديث موسى والخضر:"فكانت الأولى من موسى نسياناً والثانية شرطاً والثالثة عمداً فلذلك قال له الخضر فِي الثالث {هذا فراق بيني وبينك} [الكهف: 78] ."