فصل
قال الفخر:
بقي فِي الآية مسائل:
المسألة الأولى: تمسك بعضهم فِي وجوب الإحداد على المرأة بقوله تعالى: {فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ} فإن ظاهره يقتضي أن يكون المراد منه ما تنفرد المرأة بفعله، والنكاح ليس كذلك، فإنه لا يتم إلا مع الغير فوجب أن يحمل ذلك على ما يتم بالمرأة وحدها من التزين والتطيب وغيرهما.
المسألة الثانية: تمسك أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية فِي جواز النكاح بغير ولي، قالوا: إنها إذا زوجت نفسها وجب أن يكون ذلك جائزاً لقوله تعالى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ} وإضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة، لأن هذا هو الحقيقة فِي اللفظة، وتمسك أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه فِي أن هذا النكاح لا يصح إلا من الولي لأن قوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} خطاب مع الأولياء ولولا أن هذا العقد لا يصح إلا من الولي وإلا لما صار مخاطباً بقوله: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} وبالله التوفيق. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 110 - 111}
[فائدة]
قال القرطبي:
في هذه الآية دليل على أن للأولياء منعهن من التبرُّج والتشوّف للزوج فِي زمان العِدّة. وفيها ردّ على إسحاق فِي قوله: إن المطلقة إذا طعنت فِي الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج الأوّل، إلاَّ أنه لا يحل لها أن تتزوّج حتى تغتسل. وعن شُريك أن لزوجها الرجعة ما لم تغتسل ولو بعد عشرين سنة؛ قال الله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} وبلوغ الأجل هنا انقضاء العدّة بدخولها فِي الدّم من الحيضة الثالثة ولم يذكر غسلاً؛ فإذا انقضت عدّتها حلّت للأزواج ولا جناح عليها فيما فعلت من ذلك. والحديث عن ابن عباس لو صَحّ يحتمل أن يكون منه على الاستحباب، والله أعلم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 3 صـ 187}
لمّا كان حق الميت أعظم لأن فراقه لم يكن بالاختيار كانت مدة الوفاء له أطول. وكانت عدة الوفاة فِي ابتداء الإسلام سَنَةً، ثم رُدت إلى أربعة أشهر وعشرة أيام لتتحقق براءة الرحم عن ماء الزوج، ثم إذا انقضت العدة أبيح لها التزوج بزوجٍ آخر. والميت لا يستديم وفاءه إلى آخر العمر أحدٌ كما قيل:
وكما تَبْلى وجوهٌ فِي الثرى ... فكذا يَبْلَى عليهن الحَزَن. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 185}