قال - رحمه الله:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مِنَ الْأَحْكَامِ مَا ذَكَرَ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ، قَفَّى عَلَيْهِ بِذِكْرِ بَعْضِ أَخْبَارِ الْمَاضِينَ لِأَجْلِ الْعِظَةِ وَالِاعْتِبَارِ بِمَا تَتَضَمَّنُهُ الْوَقَائِعُ وَالْآثَارُ، كَمَا هِيَ سُنَّةُ الْقُرْآنِ، فِي تَنْوِيعِ التَّذْكِيرِ وَالْبَيَانِ، بَلِ الِانْتِقَالُ هُنَا إِنَّمَا هُوَ مِنَ الْأَحْكَامِ مَسْرُودَةً مَعَ بَيَانِ حِكْمَتِهَا، وَالتَّنْبِيهِ لِفَائِدَتِهَا، إِلَى حُكْمٍ سَبَقَتْهُ حِكْمَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْهُ فَائِدَتُهُ، فِي ضِمْنِ وَاقِعَةٍ مَضَتْ زِيَادَةً فِي الْبَصِيرَةِ وَمُبَالَغَةً فِي الْحَمْلِ عَلَى الِاعْتِبَارِ، وَهُوَ حُكْمُ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَيَتْلُوهُ حُكْمُ بَذْلِ الْمَالِ فِي سَبِيلِهِ. الْأَحْكَامُ السَّابِقَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْأَشْخَاصِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ فِي أَمْرٍ عَامٍّ يَتَعَلَّقُ بِالْأُمَمِ مِنْ حَيْثُ حِفْظِ وُجُودِهَا، وَدَوَامِ اسْتِقْلَالِهَا، بِمُدَافَعَةِ الْمُعْتَدِينَ عَنْهَا، وَبَذْلِ الرُّوحِ وَالْمَالِ فِي حِفْظِ مَصَالِحِهَا، وَتَوْفِيرِ مَنَافِعِهَا; وَلِذَلِكَ كَانَ الْأُسْلُوبُ أَشَدَّ تَأْثِيرًا، وَأَعْظَمَ تَذْكِيرًا; لِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي سِيَاقِ التَّذْكِيرِ بِمَنَافِعِ الشَّخْصِ وَمَصَالِحِهِ فِي نَفْسِهِ وَفِيمَنْ يَتَّصِلُ