لطيفة ثانية
قال فِي روح البيان:
{وأن تعفوا أقرب للتقوى} اللام فِي التقوى تدل على علة قرب العفو تقديره: العفو أقرب من أجل التقوى إذ الأخذ كأنه عوض من غير معوض عنه أو ترك المروءة عند ذلك ترك للتقوى وفى الحديث"كفى بالمرء من الشح أن يقول آخذ حقى لا أترك منه شيئا"وفى حديث الأصمعى: أتى أعرابى قوما فقال لهم: هذا فِي الحق أو فيما هو خير منه؟
قالوا: وما خير من الحق؟
قال: التفضل والتغافل أفضل من أخذ الحق كله كذا فِي المقاصد الحسنة للسخاوى. انتهى انتهى. {روح البيان حـ 1 صـ 457}
قوله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم}
قال أبو حيان:
{ولا تنسوا الفضل بينكم} الخطاب فيه من الخلاف ما فِي قوله: {وأن تعفوا} .
والنسيان هنا الترك مثل: {نسوا الله فنسيهم} والفضل: هو فعل ما ليس بواجب من البر، فهو من الزوج تكميل المهر، ومن الزوجة ترك شطره الذي لها، قاله مجاهد، وإن كان المراد به الزوج فهو تكميل المهر.
ودخل جبير بن مطعم على سعد بن أبي وقاص، فعرض عليه بنتاً له، فتزوّجها، فلما خرج طلقها وبعث إليها بالصداق كاملاً، فقيل له: لم تزوّجتها؟ فقال: عرضها علي فكرهت ردّه، قيل: فلم بعثت بالصداق كاملاً؟ قال: فأين الفضل؟.
وقرأ علي، ومجاهد، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة: ولا تناسوا الفضل. قال ابن عطية وهي قراءة متمكنة المعنى، لأنه موضع تناسٍ لا نسيان إلاّ على التشبيه. انتهى.
وقرأ يحيى بن يعمر: ولا تنسوا الفضل، بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين، تشبيهاً للواو التي هي ضمير بواو ولو فِي قوله تعالى: {لو استطعنا} كما شبهوا: واو: لو، بواو الضمير، فضموها، قرأ {لو استطعنا} بضم الواو.