243 - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ... } الآية.
{أَلَمْ تَرَ} : كلمة تُذكَر لمن يعلم ما بعدها، لتعجيبه وتذكيره، وتقرير موضوع التعجيب بأهل الكتاب، وقراء التاريخ.
وتُذكَر - أيضًا - لمن لا يكون له علم بذلك، لتعريفه وتعجيبه، وللتقرير كذلك.
وقد اشتهرت في خطاب من لا يعلم، حتى أُجريت فيه مجرى الأمثال، بأن يشبه حال من لم ير الشيءَ بحال من رآه، في: أنه لا ينبغي أن يخفي عليه، وأنه ينبغي أن يتعجب منه. ثم أجرى الكلام معه كما يجري مع من رأي، قصدًا إلى المبالغة في شهرته.
والخطاب فيه هنا، لمن يعلم ولمن لا يعلم ويتأَتى منه العلم، للأَغراض السابقة. والرؤية فيه علمية، وتعدت بإلى في قوله: {إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا} لتضمينها معنى الوصول والانتهاءِ.
والمعنى: ألم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم أُلوف - وكانوا فوق عشرة آلاف - لأن العشرة فما دونها جمع قلة، فيقال فيها: آلاف، ولا يقال أُلوف، إلا لجمع الكثرة، الذي يزيد على العشرة ..
ولذا، روى عن ابن عباس: أنهم كانوا أربعين ألفًا، كما في بعض الروايات عنه. وكان خروجهم بهذه الكثرة، خوفًا من الموت، حذرًا منه، مع أن الحذر لا يمنع القدر، فإذا جاءَ أجلهم معًا - أو متفرقين - لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون.
ويرى بعض المفسرين: أَن هذه الآية الكريمة: تنبئنا عن قوم من بني إسرائيل، دُعوا إلى الجهاد في سبيل الله، فخرجوا من ديارهم فرارًا منه، حتى لا يموتوا - مع أنهم كانوا أُلوفا، فلا ينبغي لهم أن يفروا - لأن من عادتهم أن يجبنوا عن القتال، كما حدث عندما أمرهم موسى - عليه السلام - بقتال الجبارين، فقالوا له: {اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ} . فأماتهم الله جميعًا، عقابًا لهم على فرارهم، ثم أحياهم ليبين لهم قدرة الله عليهم، وأنه لا ينفعهم الفرار من القتال، إن كان الموت فيه مكتوبًا عليهم، فقد يموت المرءُ بدون قتال كما حدث لهم.