قوله تعالى: {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
المناسبة
قال البقاعي:
ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه على القدرة تشوفت النفس إلى ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيهاً له ولكل سامع على ما فِي قصته من الخوارق: {قال} أي له الله سبحانه وتعالى أو من شاء ممن خطابه ناشئ عنه {كم لبثت} أي فِي رقدتك هذه {قال} لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه {لبثت يوماً} ثم تغير ظنه بحسب الشمس أو غيرها فقال: {أو بعض يوم} وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة الإنسان - قبل النظر إلى حماره {قال} أي الذي خاطبه مضرباً عن جوابه بياناً لأنه غلط ظاهر {بل لبثت مائة عام} معبراً عن الحول بلفظ يدور على معنى السعة والامتداد والطول ودله على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله: {فانظر إلى طعامك وشرابك} أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فساداً تين وعصير {لم يتسنه} من السنة أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها وتأثيرها،
ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك أمر جازم مقنع لا مرية فيه ولا تردد أصلاً {وانظر إلى} {حمارك} بالياً رميماً،
فجمع الله له سبحانه وتعالى بين آيتي الرطب فِي حفظه واليابس فِي نقضه.
ولما كان التقدير: فعلنا ذلك لنجعله آية لك على كمال القدرة أو لتعلم أنت قدرتنا،
عطف عليه قوله: {ولنجعلك} أي فِي مجموع خبرك {آية للناس} أي كافة فكان أمره إبقاء وتثبيتاً آية فِي موجود الدنيا على ما سيكون فِي أمر الآخرة قيام ساعة وبعثاً ونشوراً - قاله الحرالي.
ولما أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على اقتداره على الإحياء كيف ما أراد فقال: {وانظر إلى العظام} أي من حمارك وهي جمع عظم وهو عماد البدن الذي عليه مقوم صورته {كيف ننشزها} قال الحرالي: بالراء من النشر وهو عود الفاني إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه،
وبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه،
من نشز الأرض وهو ما ارتفع منها وظهر - انتهى.