وقال ابن عاشور:
وقوله: {واعلموا أن الله غني حميد} تذييل، أي غني عن صدقاتكم التي لا تنفع الفقراء، أو التي فيها استساغة الحرام.
حميد، أي شاكر لمن تصدّق صدقة طيّبة.
وافتتحه باعلموا للاهتمام بالخبر كما تقدم عند قوله تعالى: {واتقوا الله واعلوا أنكم ملاقوه} [البقرة: 223] ، أو نُزِّل المخاطبون الذين نُهوا عن الإنفاق من الخبيث منزلة من لا يعلم أن الله غني فأعطوا لوجههِ ما يقبله المحتاج بكل حال ولم يعلموا أنّه يحمد من يعطي لوجهه من طيّب الكسب.
والغني الذي لا يحتاج إلى ما تكثر حاجة غالب الناس إليه، ولِلَّهِ الغنى المطلق فلا يعطى لأجله ولامتثال أمره إلاّ خير ما يعطيه أحد للغَنِي عن المال.
والحميد من أمثلة المبالغة، أي شديد الحَمد؛ لأنه يثني على فاعلي الخيرات.
ويجوز أن يكون المراد أنّه محمود، فيكون حَميد بمعنى مفعول، أي فتخلَّقُوا بذلك لأنّ صفات الله تعالى كمالات، فكونوا أغنياء القلوب عن الشحّ محمودين على صدقاتكم، ولا تعطوا صدقات تؤذن بالشحّ ولا تشكرون عليها. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 58}
[فائدة]
قال فِي روح البيان
اعلم أن المتصدق كالزارع والزارع إذا كان له اعتقاد بحصول الثمرة يبالغ فِي الزراعة وجودة البذر لتحققه أن جودة البذر مؤثرة فِي جودة الثمرة وكثرتها فكذلك المتصدق إذا ازداد إيمانه بالله والبعث والثواب والعقاب يزيد فِي الصدقة وجودتها لتحققه أن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما والعبد كما أعطى الله أحب ما عنده فإن الله يجازيه بأحب ما عنده كما قال تعالى {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} ودلت الآية على جواز الكسب وأن أحسن وجوه التعيش هو التجارة والزراعة.
فعلى العاقل أن يواظب على الأذكار فِي الليل والنهار ويتصدق على الفقراء والمساكين بخلوص النية واليقين فِي كل حين
وجلس الإسكندر يوما مجلسا عاما فلم يسأل فيه حاجة فقال والله ما أعد هذا اليوم من ملكى قيل ولم أيها الملك؟ قال لأنه لا توجد لذة الملك إلا بإسعاف الراغبين وإغاثة الملهوفين ومكافأة المحسنين. اهـ
والدنيا مانعة عن الوصول فعليك بالإيثار وكمال الافتقار انتهى انتهى {روح البيان حـ 1 صـ 526} بتصرف يسير.
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ}
لينظرْ كلُّ واحدٍ ما الذي ينفقه لأجل نفسه، وما الذي يخرجه بأمر ربه. والذي يخرج عليك من ديوانك: فما كان لحظِّك فنفائس ملكك، وما كان لربك فخصائص مالك الذي لله (فاللُّقْمَةُ لُقْمَتُه) (1) ، والذي لأجلك فأكثرها قيمة وأكملها نعمة.
ثم أبصر كيف يستر عليك بل كيف يقبله منك بل أبصر كيف يعوضك عليه، بل أبصر كيف يقلبه منك، بل أبصر كيف يمدحك بل أبصر كيف ينسبه إليك؛ الكلُّ منه فضلاً لكنه ينسبه إليك فعلاً (2) ، ثم يُولِي عليك عطاءه ويسمي العطاء جزاءً، يوسعك بتوفيقه بِرًّاً، ثم يملأ العَالَم منك شكراً. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 1 صـ 206}
(1) وردت هكذا (فلقمته لقمته) ويحتمل أن تكون كما أثبتنا، أو أن تكون فالقيمة لقيمته بدليل ما بعدها. [ ]
(2) تأمل كيف يرى القشيري قيمة العمل الإنسانى: إنه على الحقيقة فضل من اللّه ولكن من الناحية النسبية فعل للإنسان ... وهذه مسألة هامة تتفرع عنها قضايا كلامية كثيرة يختلف فيها عن المعتزلة.