الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ... (272) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: لَيْسَ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ هُدَى الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَتَمْنَعُهُمْ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، وَلَا تُعْطِيهِمْ مِنْهَا لِيَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ حَاجَةً مِنْهُمْ إِلَيْهَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَيُوَفِّقُهُمْ لَهُ، فَلَا تَمْنَعْهُمُ الصَّدَقَةَ.
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ:"كَانُوا يَتَّقُونَ أَنْ يَرْضَخُوا، لِقَرَابَاتِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى نَزَلَتْ: {لَيْسَ عَلَيْكَ هَدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} "
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} قَالَ: «هُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ، فَمَا لَكَ وَلِهَذَا تُؤْذِيهِ وَتَمُنُّ عَلَيْهِ؟ إِنَّمَا نَفَقَتُكَ لِنَفْسِكَ وَابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَجْزِيكَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) }
أَمَّا قَوْلُهُ: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} فَبَيَانٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ سَبِيلِ النَّفَقَةِ وَوَجْهِهَا.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرَ فَلِأَنْفُسِكُمْ، تُنْفِقُونَ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّامُ الَّتِي فِي الْفُقَرَاءِ مَرْدُودَةٌ عَلَى مَوْضِعِ اللَّامِ فِي فَلِأَنْفُسِكُمْ، كَأَنَّهُ قَالَ: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ}
يَعْنِي بِهِ: وَمَا تَتَصَدَّقُوا بِهِ مِنْ مَالَ فَلِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمَّا اعْتَرَضَ فِي الْكَلَامِ بِقَوْلِهِ: {فَلِأَنْفُسِكُمْ} ، فَأَدْخَلَ الْفَاءَ الَّتِي هِيَ جَوَابُ الْجَزَاءِ فِيهِ تُرِكَتْ إِعَادَتُهَا فِي قَوْلِهِ: {لِلْفُقَرَاءِ} ، إِذْ كَانَ الْكَلَامُ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ