تأمل المنهج التربوى للقرآن فِي قضية الربا التي عاش عليها العرب أزمنة عديدة كيف عالجها القرآن واستخدم مراحل متعددة لتحريمها؟؟!!!
وفى هذا حكمة بالغة بل عين الحكمة، فكثير من الأمراض تحتاج فِي علاجها إلى عنصر الزمن وبعض الأدوية لو تعاطها المريض دفعة واحدة ربما أودت بحياته وهكذا يعلمنا القرآن الكريم الطريق الأقوم لعلاج الأمراض التي تفشت فِي المجتمع وتأصلت فيه كيف نتعالجها
فالقرآن يقول {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} وفيه توطئة لتحريم الربا بكل صوره لتتأهب النفوس المؤمنة لتركه بالكلية فينزل بعد ذلك {اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا}
مع التحريض بقوله تعالى {إن كنتم مؤمنين}
ثم بعد ذلك ينقلنا القرآن من الطمع والجشع وأكل أموال الناس بالباطل وإرهاق الضعفاء منهم بديون الربا إلى أمر جليل لم تعهده البشرية إلا فِي الإسلام فينزل بعد ذلك قوله تعالى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) } أمر يفرض إنظار المعسر وعدم تحميله ما لا يطيق ثم يرتقى القرآن بالنفس البشرية التي تعودت الأخذ دون العطاء يسمو بها القرآن لتعطى وتتصدق وتتنازل عن حقها فيقول تعالى {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}
انظر وتأمل كيف انتقل القرآن بالنفس البشرية - الشحيحة - من أخذ الربا أضعافا مضاعفة إلى ترك الكثير المرهق منه للفقراء وضعاف الناس ثم ينتقل بها مرة أخرى إلى ترك جميع الربا ما قل منه أو كثر ثم يعلو بها إلى أسمى معاني الإنسانية والنبل فينقلها من أخذ إلى عطاء ومن طمع إلى قناعة ومن ظلم وجور إلى عدل وفضل ومن قسوة إلى رحمة ومن موت إلى حياة ومن الملك إلى الملكوت
وفى هذا درس بل دروس وعبر لتعليم الأمة خصوصا - أهل العلم والدعاة إلى الله تعالى - أهمية استخدام التدرج فِي العوة إلى الله فهذا ما صنعه القرآن فِي علاجه للأمراض المستعصية والمزمنة كالربا والخمر
والتأمل فِي القرآن يجد أنه نزل منجما - مفرقا - فِي ثلاثة وعشرين عاما ليربى أمة تقود العالم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بخلافالأمم السابقة كاليهود والنصارى فقد نزلت التوراة وكذلك الإنجيل جملة واحدة فما استطاع اليهود ولا النصارى العمل بما فِي كتابهم فعمدوا إلى الكتم تارة وإلى التحريف فِي المباني والمعاني تارة أخرى
فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.
{إن فِي ذلك لآية فهل من مدكر} والله أعلم.