[من روائع الأبحاث]
بحث نفيس لحجة الإسلام الغزالي فِي المن والأذى يجدر ذكره هنا، لما فيه من الفوائد لطالب الآخرة
قال - رحمه الله:
الوظيفة الخامسة - يعني من وظائف مريد طريق الآخرة بصدقته
أن لا يفسد صدقته بالمن والأذى قال الله تعالى {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} واختلفوا فِي حقيقة المن والأذى فقيل المن أن يذكرها والأذى أن يظهرها وقال سفيان من من فسدت صدقته فقيل له كيف المن فقال أن يذكره ويتحدث به وقيل المن أن يستخدمه بالعطاء والأذى أن يعيره بالفقر وقيل المن أن يتكبر عليه لأجل عطائه والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة
وقد قال صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صدقة منان {قال الحافظ العراقى فِي تخريج أحاديث الإحياء: حديث لا يقبل الله صدقة منان هو كالذي قبله بحديث لم أجده. اهـ}
وعندي أن المن له أصل ومغرس وهو من أحوال القلب وصفاته ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه ومنعما عليه وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق الله عز وجل منه الذي هو طهرته ونجاته من النار وأنه لو يقبله لبقي مرتهنا به فحقه أن يتقلد منه الفقير إذ جعل كفه نائبا عن الله عز وجل فِي قبض حق الله عز وجل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الصدقة تقع بيد الله عز وجل قبل أن تقع فِي يد السائل {قال الحافظ العراقى فِي تخريج أحاديث الإحياء: حديث إن الصدقة تقع بيد الله قبل أن تقع فِي يد السائل أخرجه الدار قطني فِي الأفراد من حديث ابن عباس وقال غريب من حديث عكرمة عنه ورواه البيهقي فِي الشعب بسند ضعيف. اهـ} فليتحقق أنه مسلم إلى الله عز وجل حقه والفقير آخذ من الله تعالى رزقه بعد صيرورته إلى الله عز وجل
ولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه لكان اعتقاد مؤدى الدين كون القابض تحت منته سفها وجهلا فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه