أجيب: بأنّ الشرط أن لا يوجد واحد منهما دون الآخر لأنّ قوله تعالى: {ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً} ولا أذى يقتضي أن لا يقع هذا ولا هذا أي: فتبطل لكل واحد منهما إبطالاً. انتهى انتهى. {السراج المنير حـ 1 صـ 278 - 279}
فصل
قال القرطبي:
عَبَّر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبْطال، والمراد الصدقة التي يمُنُّ بها ويُؤْذِي، لا غيرها.
والعقيدة أن السيئات لا تُبطل الحسنات ولا تُحبطها؛ فالمنّ والأذى فِي صدقة لا يُبطل صدقةً غيرها.
قال جمهور العلماء فِي هذه الآية: إن الصدقة التي يعلم الله مِن صاحبها أنه يمنّ أو يؤذي بها فإنها لا تُقبل.
وقيل: بل قد جعل الله للمَلك عليها أمارة فهو لا يكتبها؛ وهذا حسن.
والعرب تقول لما يُمَنُّ به: يَدٌ سوداء.
ولما يُعطي عن غير مسألة: يَدٌ بيضاء.
ولما يُعطي عن مسألة: يَدٌ خضراء.
وقال بعض البلغاء: مَنْ مَنّ بمعروفه سقط شكره، ومن أُعجب بعمله حَبَط أجره.
وقال بعض الشعراء:
وصاحب سلفتْ منه إليّ يَدٌ ... أبطا عليه مُكافاتي فَعَادانِي
لمّا تيقّن أن الدهر حاربني ... أبدَى النّدامة فيما كان أوْلانِي
وقال آخر:
أفسدتَ بالمنّ ما أسدَيْتَ من حَسَنٍ ... ليس الكريم إذا أسْدَى بمنّانِ
وقال أبو بكر الورّاق فأحسن:
أحسَنُ من كلِّ حَسَنْ ... في كل وقت وزَمَنْ
صنيعةٌ مَرْبُوبَةٌ ... خالية من المِنَنْ
وسمع ابن سيرين رجلاً يقول لرجل: فعلت إليك وفعلت! فقال له: اسكت فلا خير فِي المعروف إذا أُحْصِي.
وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر ثم تلا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالمَنّ وَالاٌّذَى". انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 3 صـ 311 - 312}