قال الفخر:
أما قوله تعالى: {مِنْهُ تُنفِقُونَ} .
فاعلم أن فِي كيفية نظم الآية وجهين الأول: أنه تم الكلام عند قوله {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث} ثم ابتدأ، فقال: {مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} فقوله {مِنْهُ تُنفِقُونَ} استفهام على سبيل الإنكار، والمعنى: أمنه تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الاغماض والثاني: أن الكلام إنما يتم عند قوله {إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} ويكون الذي مضمراً، والتقدير: ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه ولستم بآخذيه إلا بالإغماض فيه، ونظيره إضمار التي فِي قوله تعالى: {فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى لاَ انفصام لَهَا} [البقرة: 256] والمعنى الوثقى التي لا انفصام لها. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 56}
[فائدة]
قال ابن العربي:
فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَائِدَةٌ؛ وَهِيَ مَعْرِفَةُ مَعْنَى الْخَبِيثِ، فَإِنَّ جَمَاعَةً قَالُوا: إنَّ الْخَبِيثَ هُوَ الْحَرَامُ، وَزَلَّ فِيهِ صَاحِبُ الْعَيْنِ فَقَالَ: الْخَبِيثُ كُلُّ شَيْءٍ فَاسِدٍ، وَأَخَذَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ الرَّجِيعِ خَبِيثًا.
وَقَالَ يَعْقُوبُ: الْخَبِيثُ: الْحَرَامُ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلُّغَةِ بِالشَّرْعِ، وَهُوَ جَهْلٌ عَظِيمٌ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْخَبِيثَ يَنْطَلِقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ} .
الثَّانِي: مَا تُنْكِرُهُ النَّفْسُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} . انتهى انتهى. {أحكام القرآن لابن العربي حـ 2 صـ 414}
فائدة أخرى
قال القرطبي:
دلّت الآية على أن المكاسب فيها طيب وخبيث.
وروى النسائي عن أبى أُمامة ابن سهل بن حنيف فِي الآية التي قال الله تعالى فيها: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ} قال: هو الجُعْرُور وَلَوْن حُبَيْق؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذا فِي الصدقة.
وروى الدّارَقُطْنِيّ"عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال:"أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة فجاء رجل من هذا السُّحَّل بكبائس قال سفيان: يعني الشِّيص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَن جَاء بهذا"؟! وكان لا يجيء أحد بشيء إلاَّ نُسب إلى الذي جاء به.
فنزلت: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ} .
قال: ونَهَى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الجُعْرُور وَلَوْن الحُبَيق أن يؤخذا فِي الصدقة""قال الزهريّ: لونين من تمر المدينة وأخرجه الترمذيّ من حديث البراء وصححه. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 3 صـ 325 - 326}