[من روائع الأبحاث]
قال السُّهْرَوَرْدي:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ الله فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ» ، ثم قرأ {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ}
وإنما يتطلع إلى معرفة اللمتين وتمييز الخواطر طالب مريد يتشوف إلى ذلك تشوف العطشان إلى الماء، لما يعلم من وقع ذلك وخطره وفلاحه وصلاحه وفساده، ويكون ذلك عبداً مراداً بالحظوة بصفو اليقين ومنح الموقنين، وأكثر التشوف إلى ذلك للمقربين ومن أخذ به في طريقهم.
ومن أخذ في طريق الأبرار قد يتشوف إلى ذلك بعض التشوف، لأن التشوف إليه يكون على قدر الهمة والطلب والإرادة والحظ من الله الكريم، ومن هو في مقام عامة المؤمنين والمسلمين لا يتطلع إلى معرفة اللمتين ولا يهتم بتمييز الخواطر، ومن الخواطر ما هي رسل الله تعالى إلى العبد، كما قال بعضهم: لي قلب إن عصيته عصيت الله، وهذا حال عبد استقام قلبه، واستقامة القلب لطمأنينة النفس، وفي طمأنينة النفس يأس الشيطان، لأن النفس كلما تحركت كدرت صفو القلب، وإذا تكدر طمع الشيطان وقرب منه، لأن صفاء القلب محفوف بالتذكر والرعاية، وللذكر نور يتقيه الشيطان كاتقاء أحدنا النار، وقد ورد في الخبر «الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله تعالى تولى وخنس، وإذا غفل التقم قلبه فحدثه ومناه» وقال الله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} (الزخرف: الآية 36)
وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} (سورة الأعراف: الآية 201)
فبالتقوى وجود خالص الذكر، وبها ينفتح بابه، ولا يزال العبد يتقي حتى يحمي الجوارح من المكاره ثم يحميها من الفضول وما لا يعنيه، فتصير أقواله وأفعاله ضرورة، ثم تنتقل تقواه إلى باطنه ويطهر الباطن يقيده عن المكاره ثم من الفضول، حتى يتقي حديث النفس.