فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 68090 من 466147

(فصل: فقه التجارب والعناية بِالنَّفسِ)

قال الحارث المحاسبي:

وَاعْلَم أنه من كَانَ من أهل الْعِنَايَة بِنَفسِهِ ورزق فهم التجربة بلغ معرفَة الْخَيْر وَالشَّر وَعرف من أيْنَ وَكَيف وَعبر وَوصف وَفهم وفطن ونطق بالحكمة، وَكَانَ مَا يسمع من الموعظة زِيَادَة لَهُ فِي فهمه ومعرفته وَوَصفه ودقائق فطنته وسر حَاجته

وَمن كَانَ من أهل الْعِنَايَة وَلم يرْزق فهم التجربة عرف من معرفَة الْخَيْر وَالشَّر على قدر عنايته وَوصف عَن صفتهَا وعبارتها وَمن أيْنَ وَكَيف وَضعف عَن النُّطْق بالحكمة وَكَانَت الموعظة زِيَادَة لَهُ فِي معرفَة خَيره وشره

وَمن لم يرْزق الْفَهم وَلَيْسَت لَهُ عناية فَهُوَ لَا ينْطق بِلِسَانِهِ عِنْد الْكَلَام وَلَا يعقل بِقَلْبِه عِنْد السماع

ويروى أن الْحِكْمَة تَقول"من طلبني فَلم يقدر عَليّ فليعمل بِأَحْسَن مَا يعلم وليدع أشر مَا يعلم"

وَقَالَ الأمور مَنَافِعهَا مُتَفَاوِتَة وضررها متفاوت فمنفعة بَعْضهَا أكثر من بعض وضرر بَعْضهَا أكثر من بعض ونجد أكثر النَّاس إنما عنايتهم بإصلاح مَا هُوَ أقل ضَرَرا فهم فِي إصلاح ذَلِك أكثر من إصلاح مَا هُوَ أكثر ضَرَرا، وطلبهم لما هُوَ أقل مَنْفَعَة أكثر من طَلَبهمْ لما هُوَ أكثر مَنْفَعَة

وَبَعض الأمور تَركهَا أشد على العَبْد من بعض وَصَاحب الإرادة لَا يَنْبَغِي أن يغلط فِي هَذَا وَلَكِن يفاتش أموره كلهَا مفاتشة شَدِيدَة بالعناية وغائص الْفَهم ودقائق لطائف الفطن حَتَّى يعلم مَا هُوَ أشد عَلَيْهِ فِي التّرْك وَيعلم مَا هُوَ أسْلَم لَهُ وأنفع لَهُ فَيجْعَل جده وجديده ومعرفته وَعلمه وفهمه وكياسته وعنايته وفطنته فِيمَا هُوَ أشد عَلَيْهِ فِي التّرْك وأكثر ضَرَرا عَلَيْهِ

وَالنَّاس فِي ذَلِك مُخْتَلفُونَ فَرب رجل يهون عَلَيْهِ ترك شَيْء يشْتَد على غَيره ويشتد عَلَيْهِ ترك شَيْء يهون على غَيره تَركه ويشتد عَلَيْهِ طلب مَا يهون على غَيره ويهون عَلَيْهِ طلب مَا يشْتَد على غَيره لأنه حبب إلى هَذَا من الأشياء مَا لم يحبب إلى غَيره وبغض إليه من الأشياء مَا لم يبغض إلى غَيره

وَرُبمَا كَانَ أمران ضاران كِلَاهُمَا وأحدهما أكثر ضَرَرا من الآخر ومؤنه تَركه لَيست بأشد على صَاحبه من تَركه الآخر وَلَكِن الْمعرفَة تقصر بِالْعَبدِ عَن حسن المأخذ لَهُ والترفق فِيهِ فَهُوَ لما هُوَ أشد عَلَيْهِ تَركه وأقل ضَرَرا أقوى وأترك لَهُ مِمَّا هُوَ أكثر ضَرَرا وأهون عَلَيْهِ تَركه وَهُوَ عَن ذَلِك أضعف وأعجز عَنهُ

وَلَا يعرف هَذَا إلا من يقلب الأمور تقليبا ويفاتشها تفتيشا فَينْظر هَذَا الَّذِي يُؤْتى مِنْهُ مَا سَببه ثمَّ لم ير على نَفسه من ترك ذَلِك السَّبَب كَبِير مُؤنَة فَيَقُول لَا أترك هَذَا وَلَكِن أترك هَذَا الَّذِي يشْتَد على نَفسِي تَركه وَلَيْسَ فَسَاد هَذَا الأمر الَّذِي قد عزم على تَركه وَهُوَ أشد عَلَيْهِ كفساد هَذَا الأمر الَّذِي لم يعزم على تَركه. انتهى انتهى {آداب النفوس، للحارث المحاسبي} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت