قوله - جلَّ جلالُه: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ ... )
صرف - جلَّ جلالُه - الخطاب إلى ذكر النفقة التي تقدم
ذكرها في سبيل الله، كما نظم ذلك بذكر الإحياء والإماتة بما تقدم ذكره من ذلك.
(فصل)
إذا ورد ذكر الإنفاق مقرونًا بذكر سبيل الله فهو الجهاد، وإذا جاء معرًّا من ذلك
فهو في سبيل طاعة الله - جلَّ جلالُه -؛ لذلك نظم - جلَّ جلالُه - ذكر الإنفاق؛ فجَمل بذكر الإنفاق في
سبيل الله، فقال عز من قائل:(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا
أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ... ).
ثم قال جل قوله: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ...(263)
أي: قول معروف للسائل يوجب مغفرة ربه خير من نفقة أو صدقة لا يقوم خيرها بشرها بما
يتبعها صاحبها من منٍّ أو أذى، لذلك وهو أعلم ختم الآية بقوله الحق جلَّ قوله:
(وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) غني بصدق هذا المآل، حليم يعرض - جلَّ جلالُه - بعصيان
عبيده وبغضهم.
قوله - عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ...(264)
هذا منتظم بالمعنى
والمجاورة لما تقدم، أكد - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه الآية في التوصية، وبالغ في
النصيحة لأهل الإنفاق ألا يبطلوا صدقاتهم بآفات يتبعونها إياها فيما يكون بذلك
المرائين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
ثم ضرب - جلَّ جلالُه - لذلك مثلا محكمًا فقال:(فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ
فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا)يقول الله جل قوله: مثل إنفاق المرائي
المكذب مثل زارع بذر بذره على صفوان عليه تراب يسير؛ فلم يجد البذر لعروقه
مساغًا، فاختطفه الهواء والشمس بعد نباته؛ إذ لم يكن له من الأرض ما يمده من