قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
(مَسْأَلَةٌ) جَرَى الْبَحْثُ فِي الْغَزَالِيَّةِ فِي أَوَاخِرِ رَبِيعٍ الآخَرَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ فِي قَوْله تَعَالَى {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ}
فَقُلْتُ قَوْلُهُ"مِنْ"إشَارَةٌ إلَى الْمُسْلِمِينَ الأَحْرَارِ، لأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَتَدَايَنُونَ غَالِبًا وَالرَّقِيقُ لا يَتَدَايَنُ غَالِبًا. فَقَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ وَهُوَ الْوَلَدُ عَبْدُ الْوَهَّابِ هَذَا يَثْبُتُ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ يَخُصُّ بِالْعَادَةِ وَالصَّحِيحُ خِلافُهُ فَلا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمُدَايِنَةِ بَيْنَ الأَحْرَارِ فِي الْغَالِبِ أَنْ يَخْتَصَّ الْخِطَابُ بِهِمْ لأَنَّهُ عَامٌ. قُلْت لا نُسَلِّمُ وَطَالَتْ هَذِهِ الْمُمَانَعَةُ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِلْجَمَاعَةِ سَنَدُ الْمَنْعِ فَبَيَّنْته لَهُمْ وَهُوَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ أَيْ وَهُوَ اسْمٌ مُبْهَمٌ لا عُمُومَ لَهُ لَكِنَّهُ نَعْتٌ بِاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلا يَلْزَمُ مِنْ نَعْتِهِ بِالْعَامِ أَنْ يَكُونَ عَامًّا بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى إطْلاقِهِ فَتَكُونُ جُمْلَةُ"عَلَى الأَحْرَارِ"تَقْيِيدًا لا تَخْصِيصًا بَلْ أَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ تَقْيِيدًا أَيْضًا بَلْ لِبَيَانِ الْمُخَاطَبِ مَنْ هُوَ وَكَذَلِكَ يُصْرَفُ بِأَيِّ قَرِينَةٍ اتَّفَقَ وَلا يُسَمَّى تَخْصِيصًا كَمَا تَقُولُ"هَذَا"مُشِيرًا إلَى شَخْصٍ فَيُعْرَفُ بِالإِشَارَةِ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِك"هَذَا"وَلا يُسَمَّى تَخْصِيصًا وَلا تَقْيِيدًا. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ مَا يُنْظَرُ فِيهِ إلَى بَابِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ حَتَّى يُدْعَى تَعْمِيمُ النَّكِرَةِ بِعُمُومِ صِفَتِهَا؛ كَمَا يَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ، لأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ شَرْطًا بِمُقْتَضَاهُ، وَهَذَا الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالْمَقْصُودِ بِالنِّدَاءِ وَهُوَ أَمْرٌ لا دَلالَةَ لِلَّفْظِ عَلَيْهِ بَلْ لِمَا تَدُلُّ الْقَرَائِنُ عَلَيْهِ، فَلا جَرَمَ امْتَنَعَ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انتهى انتهى. {فتاوى السبكي حـ 1 صـ 36 - 37}