[من روائع الأبحاث]
(فصل: ممّا جاء في السؤال)
قال الراغب الأصفهاني:
الاستغناء بالله عن الناس
قال أعرابي: اطلب الرزق من حيث كفل لك فالمتكفل به أمين، ولا تطلبه من طالب مثلك لا ضمان لك عليه.
وشكا رجل ضيقا، فقال له الحسن: شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.
وقال هشام لرجل في بيت الله: سلني، فقال: لا أسأل في بيت الله غيره.
وقال شاعر:
لا تسل النّاس وسل من أنت له
وسأل بعض الزهّاد صديقا له شيئا لشدة الأمر به، فأعطاه صديقه وقال: يا أخي في ثقتك بحسن عائدة الله عليهم كفاية لهم، فقال: لا حاجة لي بالمال فقد استغنيت بهذا المآل.
التّحذير من سؤال الناس
قال النبي صلّى الله عليه وسلم: المسألة كدوح أو خدوش أو خموش في وجه صاحبها.
وقال صلّى الله عليه وسلم:
إن أحدكم يخرج بمسألة من عندي متأبطا وما هي إلا النار، فقال عمر رضي الله عنه: ولم تعطيه وهي له نار، فقال: يأبون، إلا أن يسألوا ويأبى الله لي البخل.
وقيل: إياك وطلب ما في أيدي الناس فإنه فقر حاضر.
قال ابن المقفع: السخاء سخاآن سخاؤك بما في يدك وسخاؤك بما في يد غيرك وهو أمحض في الكرم وأبعد في الدنس، ومن جمعهما فقد استكمل الفضل.
وقيل: من لم يستوحش من ذلّ السؤال لم يأنف من ذلّ الردّ.
وقيل: جلّ في عينك من استغنى عنك، قال:
متى ترغب إلى النّاس ... تكن للنّاس مملوكا
وقال آخر:
إنّ الغنى عن لئام النّاس مكرمة ... وعن كرامهم أدنى إلى الكرم
ولعابدة المهلبية:
لا تسألنّ المرء ذات يديه ... فيحقّرنّك من رغبت إليه
المرء ما لم ترزه لك مكرم ... فإذا رزأت المرء هنت عليه
وقال آخر:
استغن ما استطعت عن أخيك ولو ... أعشب كلّ البلاد عن مطره
وقيل: إياك والمسألة فإنها آخر كسب المرء.
قال أحدهم:
وذقت مرارة الأشياء جميعا ... فما طعم أمرّ من السؤال
وقال آخر:
ذلّ السؤال وثقل الشّكر ما اجتمعا ... إلا أضرّا بماء الوجه والبدن
وقال المخزومي:
ما أبعد المكرمات عن رجل ... على نوال الرّجال يتّكل
وقال آخر:
إن السّؤال يريد وجه حديد
ومما يدخل في هذا الباب قول النبي صلّى الله عليه وسلم: ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف عليه ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك.
النّهي عن سؤال من تعوده.
قال شاعر:
فإن كنت لا بدّ مستطعما ... فمن غير من كان يستطعم
وقال آخر:
ولا تطلبنّ المال ممّن أفاده ... حديثا ومن لم يورث المال وارثه