[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال أبو عبد الله بن الأزرق الحميري:
الأدب العشرون: وهو خاتمة ما يذكر في هذا القسم، أن يعمل بما تعلم، وينوي أن يعمل كذلك بما يتعلمه بعد،
وهذا الأدب آكد ما عليه، وأهم ما يعتني به، وذلك لوجوه كثيرة يبرزها التأمل والاستقراء لما ورد فيه، لكن أهمها في الموضع، وأخصها به بحسب الاختصار وجهان:
أحدهما: ما ثبت في الشريعة أن روح العلم إنما هو العمل، وإلا فالعلم عارية وغير منتفع به، وإذا كان كذلك فالاشتغال بطلبه مع تضييع الغاية له سعي فيما لا يجدي ثمرة، ولا يعود على صاحبه بفائدة معتبرة شرعا. والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة، وكلام العلماء لا ينحصر، فقد قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} . وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} .
قال قتادة: «يعني لذو عمل بما علمناه. وفي الحديث: «إن من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة عالما لم ينفعه الله بعلمه» ».
وعن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثني عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنا نتدارس العلم في مسجد «قباء» إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا» .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: «أن رجلا كان يسأله فقال له: كل ما تسأل عنه تعمل به؟ قال: لا. قال: فما تصنع بازدياد حجة الله عليك» .
وعن سفيان الثوري قال: «إنما يتعلم العلم ليتقى الله به، وإنما فضل العلم على غيره، لأنه يتقى الله به» .
وعن «ابن وهب» عن «مالك» رحمه الله «أن حقا على من طلب العلم أن يكون له وقار، وسكينة، وخشية، وأن يكون متبعا لآثار من مضى قبله» .
قال عياض: «وقال لبعض بني أخيه: إذا تعلمت علما من طاعة الله فلير عليك أثره، ولير فيك سمته، وتعلم لذلك الذي تعلمته، السكينة والحلم والوقار» اهـ.
وتكررت وصيته بهذا الوضوح، معناه في نفسه، ولأن السلف الصالح على ذلك درجوا.
قال الحسن: ذكره «الشيخ» في «مختصره» : «كان الرجل إذا طلب العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه، وبصره، ولسانه، ويده، وصلاته، وزهده، وإن كان الرجل ليصيب الباب من أبواب العلم، فيكون خيرا له من الدنيا، وما فيها لو كانت (له) فجعلها في الآخرة.