ورجَّح الطبريُّ أنَّ الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة.
وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} : معناه: بما هو فِي وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطرُ، أشفَقَ الصحابةُ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ؛ أنه لا يكلِّف نفْساً إِلا وسْعَهَا، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا فِي الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان فِي هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها، وممَّا يدفع أمر النَّسْخ؛ أن الآية خَبَرٌ، والأخبار يدخُلُها النَّسْخُ، فإن ذهب ذاهبٌ إِلى تقرير النَّسْخِ، فإِنما يترتَّب له فِي الحُكْم الذي لَحِقَ الصحابة، حِينَ فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم لهم:"قولُوا سَمِعْنَا وأطعنا"، يجيء منْه: الأمر بأن يبنُوا على هذا، ويلتزموه، وينتظروا لُطْفَ اللَّه فِي الغُفْران، فإِذا قرّر هذا الحكم، فصحيحٌ وقوعُ النَّسْخ فيه، وتشبه الآية حينئذٍ قوله تعالَى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} [الأنفال: 65] ، فهذا لفظه الخَبَرُ، ولكنَّ معناه: التزموا هذا، وابنوا عليه، واصبروا بحَسَبِهِ، ثم نسخ ذلك بَعْد ذلك، فهذه الآية فِي البقرة أشبهُ شَيْء بها. انتهى انتهى. {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 235 - 236}
وقال ابن عاشور:
وللعلماء فِي معنى هذه الآية، والجمع بينها وبين قوله صلى الله عليه وسلم"مَنْ هَمّ بسيئة فلم يعملها كتُبت له حسنة".
وقوله: {إن الله تجاوز لأمَّتِي عمّا حدثتْها به أنفُسها} "أقوال" (1)
(1) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق وهي غير موجودة فِي الأصل. والله أعلم.