الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... (282) }
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ {إِذَا تَدَايَنْتُمْ}
يَعْنِي إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِدَيْنٍ أَوِ اشْتَرَيْتُمْ بِهِ، أَوْ تَعَاطَيْتُمْ، أَوْ أَخَذْتُمْ بِهِ {إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}
يَقُولُ: إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ وَقَّتُّمُوهُ بَيْنَكُمْ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْقَرْضُ وَالسَّلَمُ فِي كُلِّ مَا جَازَ، السَّلَمُ شَرًى أُجِّلَ بَيْعُهُ يَصِيرُ دَيْنًا عَلَى بَائِعِ مَا أَسْلَمَ إِلَيْهِ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ بَيْعُ الْحَاضِرِ الْجَائِزِ بَيْعُهُ مِنَ الْأَمْلَاكِ بِالْأَثْمَانِ الْمُؤَجَّلَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ الدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِذَا كَانَتْ آجَالُهَا مَعْلُومَةً بِحَدٍّ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي السَّلَمِ خَاصَّةً.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: قَالَ: «نَزَلَتْ فِي السَّلَمِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: {بِدَيْنٍ} وَقَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ} عَلَيْهِ؟ وَهَلْ تَكُونُ مُدَايَنَةٌ بِغَيْرِ دَيْنٍ فَاحْتِيجَ إِلَى أَنْ يُقَالَ بِدَيْنٍ؟
قِيلَ: إِنَّ الْعَرَبَ لَمَّا كَانَ مَقُولًا عِنْدَهَا تَدَايَنَّا بِمَعْنَى تَجَازَيْنَا وَبِمَعْنَى تَعَاطَيْنَا الْأَخْذَ وَالْإِعْطَاءَ بِدَيْنٍ، أَبَانَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ {بِدَيْنٍ} الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَ تَعْرِيفَهُ مِنْ قَوْلِهِ {تَدَايَنْتُمْ} حُكْمَهُ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ حُكْمُ الدَّيْنِ دُونَ حُكْمِ الْمُجَازَاةِ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِ: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاكْتُبُوهُ}
يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: {فَاكْتُبُوهُ} فَاكْتُبُوا الدَّيْنَ الَّذِي تَدَايَنْتُمُوهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى مِنْ بَيْعٍ كَانَ ذَلِكَ أَوْ قَرْضٍ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي اكْتِتَابِ الْكِتَابِ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ هُوَ نَدْبٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ، وَفَرْضٌ لَازِمٌ.