[من روائع الأبحاث]
(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
قوله: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} ، وقوله: {وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [الكهف: 56] ، وقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (46) } [الأحزاب: 45 - 46] ، في أمثال هذا ممّا خبّر فيه أنّ الهداية إليه وحده وليس يجوز أن يكون إليه وحده ما هو مشترك بينه وبين خلقه.
واعلموا - رحمكم الله - أن دعوة الرسول لا تكون هداية لأحد ولا توصف بذلك حتى يقارنها قبول المدعو وانتفاعه بها، ومتى عريت من ذلك لم تكن هداية له، فلذلك لا يجوز أن يقال إنّ الرسول قد هدى أبا جهل وأبا لهب وسائر من كفر به من قريش، ولم ينتفع بدعوته لأنّه إذا لم ينتفع المكلّف بالدعوة لم تكن من أسباب هدايته، وصارت ضررا عليه ووبالا وطريقا إلى عقابه، لأنّه لو لم تكن الدعوة لم يستوجب العقاب، فهي إذن ضرر مع عدم القبول والانتفاع، قال سبحانه وتعالى: {الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) } [البقرة: 1 - 2] ، وقال: {وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ} [البقرة: 26] ، وقال: {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44] ، فبيّن بذلك أجمع وأمثاله من الأخبار أنّ الدعوة هداية لمن قبلها وانتفع بها دون من ردّها واستضرّ بورودها، فبان بهذه الجملة أنّه لا منافاة بين إضافة الله سبحانه الهداية إليه، وبين إضافة الهداية إلى رسله وملائكته والمؤمنين إذا كان من أضافه إلى نفسه من ذلك غير ما أضافه إلى خلقه.
على أن الهداية التي أضافها إليهم إنّما هي الدعوة والتزيين والإرشاد والتنبيه والترغيب والتحذير، وعلى ذلك يدلّ قوله: {وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [الكهف: 56] ، وقوله: {وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54] ، وكلّ هذا ممّا قد هدى الله سبحانه المؤمنين به على وجهين: