(فصل: في الرقائق)
قال ابن الجوزي:
قِيلَ: لأَبِي زُرْعَةَ: مَنْ رَأَيْتَ مِنَ الْمَشَايِخِ الْمُحَدِّثِينَ أَحْفَظَ؟ قَالَ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حُزِرَتْ كُتُبُهُ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَبَلَغَتِ اثْنَيْ عَشَرَ حَمْلا وَعَدْلا، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ كِتَابٍ مِنْهَا حَدِيثُ فُلانٍ، وَلا فِي بَطْنِهِ حَدَّثَنَا فُلانٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ يَحْفَظُهُ مِنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ.
قَالَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: قَالَ لِي أَبِي: خُذْ أَيَّ كِتَابٍ شِئْتَ مِنْ كُتُبِ وَكِيعٍ، مِنَ الْمُصَنّفِ، فَإِنْ شِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْكَلامِ، حَتَّى أُخْبِرَكَ بِالإِسْنَادِ، وَإِنْ شِئْتَ بِالإِسْنَادِ حَتَّى أُخْبِرَكَ بِالْكَلامِ.
* أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ «أَبُو الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي»
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَلَوِيُّ: حَدَّثَنِي وَرَّاقٌ كَانَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ الْمُتَنَبِّي، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْ هَذَا الْفَتَى، كَانَ الْيَوْمَ عِنْدِي، وَقَدْ أَحْضَرَ رَجُلٌ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الأَصْمَعِيِّ نَحْوَ ثَلاثِينَ وَرَقَةً لِيَبِيعَهُ، فَأَخَذَ يَنْظُرُ فِيهِ طَوِيلا، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا هَذَا أُرِيدُ بَيْعَهُ، وَقَدْ قَطَعْتَنِي عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ حِفْظَهُ فَهَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ يَكُونُ بَعْدَ شَهْرٍ.
فَقَالَ لَهُ: فَإِنْ كُنْتُ قَدْ حَفِظْتُهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَمَا لِي عَلَيْكَ؟ قَالَ: أَهِبُ لَكَ الْكِتَابَ، قَالَ: فَأَخَذَ الدِّفْتَرَ مِنْ يَدِهِ فَأَقْبَلَ يَتْلُوهُ إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ اسْتَلَبَهُ فَجَعَلَهُ فِي كُمِّهِ، فَقَامَ صَاحِبُهُ فَتَعَلَّقَ بِهِ، وَطَالَبَ بِالثَّمَنِ فَقَالَ: مَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ قَدْ وَهَبْتَهُ لِي، فَمَنَعْنَاهُ مِنْهُ.
وَقُلْنَا لَهُ: أَنْتَ اشْتَرَطْتَ عَلَى نَفْسِكَ هَذَا لِلْغُلامِ فَتَرَكَهُ عَلَيْهِ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ شَبَّةَ يَقُولُ: كَتَبُوا عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، وَلَيْسَ مَعَهُ كِتَابٌ.
* سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ «أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ»
كَانَ عَالِمًا مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ.