259 -قوله تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ} الآية.
قد ذكرنا أن هذه الآية معطوفة على ما قبلها في المعنى، كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج، أو كالذي مر، والعرب تحمل على المعاني كثيرًا، قال الفرزدق:
فكيْفَ بلَيْلَةٍ لا نَجْمٍ فيها ... ولا قَمَرٍ لسَاريهَا مُنِيرِ
أراد: فكيف بليلة ليست بليلة نجم ولا قمر، وقال آخر:
وَجَدْنَا الصَّالِحِينَ لَهُم جَزَاءً ... وجَنَّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلًا
فنصب الجنات بالنسق على الجزاء وجنات وعينا، وقال آخر:
مُعَاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فاسْجَحْ ... فلَسْنَا بالجِبَالِ ولا الحَدِيدَا
أراد: فلسنا الجبال والحديد، فحمل على المعنى وترك اللفظ. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن الكاف زائدة، وعطف الذي على الذي من قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي} والقول الأول اختيار أبي علي، وهو وجه حسن.
واختلفوا في الذي مَرَّ. فقال قتادة والربيع وعكرمة والضحاك والسدي: هو عزير.
وقال وهب وعطاء عن ابن عباس: هو أرميا؟ وهو الخضر. وقال مجاهد: هو رجل كافر شك في البعث.
وقوله تعالى: {عَلَى قَرْيَةٍ} قال وهب وعكرمة وقتادة والربيع: إيليا، وهي بيت المقدس.
وقال ابن زيد: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت.
وقوله تعالى: {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} قال أبو عبيد عن أبي زيد والكسائي: خَوَت الدار تَخْوِي خُوُيًّا، إذا خلت، قال الكسائي: ويجوز: خويت الدار. الأصمعي: خَوَى البيتُ فهو يَخْوِي خَوَاءً، ممدود، إذا ما خلا من أهله.
والخَوَى: خُلُوّ البطن من الطعام، وأصل معنى هذا الحرف: الخُلوّ. ومن هذا ما ورد في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد خَوَّى أي: أخلى ما بين عَضُدَيْهِ وجَنْبَيْهِ وبَطْنِهِ وفَخِذَيْه، وخَوَاءُ الفرس: ما بين قوائمه، وخَوَاءُ الأرض: بَرَاحُها قال أبو النَّجْم يصف فرسًا طويلًا: