قوله تعالى: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}
قال أبو حيان:
{لا تأخذه سنة ولا نوم} يقال: وسن سنة ووسناً، والمعنى: أنه تعالى لا يغفل عن دقيق ولا جليل، عبر بذلك عن الغفلة لأنه سببها، فأطلق اسم السبب على المسبب قال ابن جرير: معناه لا تحله الآفات والعاهات المذهلة عن حفظ المخلوقات، وأقيم هذا المذكور من الآفات مقام الجميع، وهذا هو مفهوم الخطاب، كما قال تعالى: {ولا تقبل لهما أف} وقيل: نزه نفسه عن السنة والنوم لما فيها من الراحة، وهو تعالى لا يجوز عليه التعب والاستراحة.
وقيل: المعنى لا يقهره شيء ولا يغلبه، وفي المثل: النوم سلطان قال الزمخشري: وهو تأكيد للقيوم، لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 2 صـ 287 - 288}
سؤال: فإن قيل: إذ كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قال: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، وكان ذكر النوم تكريراً.
قلنا: تقدير الآية: لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه النوم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 7 صـ 8}
ونفي استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير، وإثبات لكمال العلم؛ فإنّ السنة والنوم يشبهان الموت، فحياة النائم فِي حالهما حياة ضعيفة، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل فِي وقت استيلائهما على الإحساس.
ونفي السنة عن الله تعالى لا يغني عن نفي النوم عنه لأنّ من الأحياء من لا تعتريه السنة فإذا نام نام عميقاً، ومن الناس من تأخذه السنة فِي غير وقت النوم غلبة، وقد تمادحت العرب بالقدرة على السهر، قال أبو كبير:
فأتَتْ به حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّناً ... سُهُداً إذَا ما نَام ليلُ الهَوْجَلِ
والمقصود أنّ الله لا يحجب علمه شيء حجباً ضعيفاً ولا طويلاً ولا غلبة ولا اكتساباً، فلا حاجة إلى ما تطلّبه الفخر والبيضاوي من أن تقديم السنة على النوم مراعى فيه ترتيب الوجود، وأنّ ذكر النوم من قبيل الاحتراس.