(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
خلق نبينا صلى الله عليه وسلم من أرضى الأرض أرضاً، وأصفى الأوصاف وصفاً، وصين آباؤه من زلل الزنا، إلى أن صدفت بتلك الدرة صدفة آمنة، فوثبت لرضاعه ثويبة، ثم قضت باقي الدين حليمة، فقام نباته مستعجلاً على سوقه، مستعجلاً قيام سوقه، فنشأ في حجر الكمال كما نشأ، فشأى من شأى منشأ.
قَدِمَتْ حليمة والجدب عام في العام، فعرض على المرضعات فأبين لليتم، فراحت به حليمة إلى حلتها، فثاب لبنها ولبن راحلتها، فباتوا البركة روائه رواء، وهب على مباركهم نسيم نسمة مباركة، فلما ظعنت الظعاين أتت أتانها تؤم أمام الركب، فلما حلوا حللهم. كانت الرعاء تسرح فيعفرها سرحان الجدب، وراعي حليمة يعيد الغنم بالغنم.
فبينا الصبي مع الصبيان، هبت صبا الجبر بجبريل، فجاءه فجأة فشق عن القلب، ثم شقه وما شق عليه، فعلق بيده من باطية باطنه علقة، فقال هذا حظ الشيطان، وقد قطعنا علقه ثم أعاد قلبه بعد أن قَلَبَه، وما به قلبة، فبقي أثر المخيط في صدره، باقي عمره لإظهار سورة"ألم نشرح".
فلما بلغ ست سنين، ألوى الموت بالوالدة، فجد في كفالته الجد، ثم طلب الموت عبد المطلب، فما أبى الطالب، ولا اشتغل بأوصابه حتى أوصى به أبا طالب، فخرج به وقد زانه كالتاج تاجراً، فتيمم باليتيم منزل تيماء، فرآه بحيراء ببحرته فقرأ سمات النبوة من شمايل"يعرفونه"فشام برق فضله فلاح من شيمة شامته، فقال لعمه: احفظ هذه الشامة من شامت.
وما زال نشره يضوع ولا يضيع، إلى أن تمخضت حامل النبوة في إبان التمام، وآثر الطلق طلاق الخلق، فتحرى غار حراء للفراغ فراغ إليه الملك، فأغار حبل الوصال في ذلك الغار، فأفاض عليه حلة"اقرأ"فأفاض إلى حلة"زمِّلوني"فسكّنت خديجة غلته، بعلة إنك لتصل الرحم ثم انطلقت به إلى ورقة فقرأ من ورقة سيماه نقش فضله، فتيقظ لفهم أمره إذ ناموا، فقال: هذا الناموس الذي نزل على موسى، ولقد عرفه الأحبار في الكنايس، والرهبان في الصوامع، وأنذر به الرئي وأخبر به التابع.