الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ، يَقُولُ: لَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ فِي طَلَاقِكُمْ نِسَاءَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ، يَعْنِي بِذَلِكَ: مَا لَمْ تُجَامِعُوهُنَّ. وَالْمُمَاسَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ كِنَايَةٌ عَنِ اسْمِ الْجِمَاعِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"الْمَسُّ: الْجِمَاعُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُكَنِّي مَا يَشَاءُ بِمَا شَاءَ"
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ {مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ} بِفَتْحِ التَّاءِ مِنْ تَمَسُّوهُنَّ، بِغَيْرِ أَلْفٍ مِنْ قَوْلِكَ: مَسِسْتُهُ أَمَسُّهُ مَسًّا وَمَسِيسًا وَمِسِّيسَى مَقْصُورٌ مُشَدَّدٌ غَيْرُ مَجْرَى.
وَكَأَنَّهُمُ اخْتَارُوا قِرَاءَةَ ذَلِكَ إِلْحَاقًا مِنْهُمْ لَهُ بِالْقِرَاءَةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: {وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشْرٌ}
وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: (مَا لَمْ تُمَاسُّوهُنَّ) بِضَمِّ التَّاءِ وَالْأَلِفِ بَعْدَ الْمِيمِ إِلْحَاقًا مِنْهُمْ ذَلِكَ بِالْقِرَاءَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} وَجَعَلُوا ذَلِكَ بِمَعْنَى فِعْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ بِصَاحِبِهِ مِنْ قَوْلِكَ: مَاسَسْتُ الشَّيْءَ مُمَاسَّةً وَمَسَاسًا. وَالَّذِي نَرَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى مُتَّفِقَتَا التَّأْوِيلِ، وَإِنْ كَانَ فِي إِحْدَاهُمَا زِيَادَةُ مَعْنًى غَيْرُ مُوجِبَةٍ اخْتِلَافًا فِي الْحُكْمِ وَالْمَفْهُومِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجْهَلُ ذُو فَهْمٍ إِذَا قِيلَ لَهُ: مَسِسْتُ زَوْجَتِي أَنَّ الْمَمْسُوسَةَ قَدْ لَاقَى مِنْ بَدَنِهَا بَدَنُ الْمَاسِّ مَا لَاقَاهُ مِثْلُهُ مِنْ بَدَنِ الْمَاسِّ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ أُفْرِدَ الْخَبَرُ عَنْهُ