قال الفخر:
قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ الله} إشارة إلى ما بينها من التكاليف، وقوله: {يُبَيّنُهَا} إشارة إلى الاستقبال والجمع بينهما متناقض وعندي أن هذه النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يتطرق إليها تخصيصات كثيرة، وأكثر تلك المخصصات إنما عرفت بالسنة، فكان المراد والله أعلم أن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله وسيبينها الله تعالى كمال البيان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله تعالى: {لِيُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] . انتهى انتهى {مفاتيح الغيب حـ 6 صـ 92}
وأما قوله: {وتلك حدود الله يبينها} فالبيان صالح لمناسبة المعنى الحقيقي والمجازي؛ لأنّ إقامة الحدّ الفاصل فيه بيان للناظرين.
والمراد {بقوم يعلمون} ، الذين يفهمون الأحكام فهماً يهيئهم للعمل بها، وبإدراك مصالحها، ولا يتحيلون فِي فهمها.
{وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
الواو اعتراضية، والجملة معترضة بين الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى، وموقع هذه الجملة كموقع جملة {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة: 229] المتقدمة آنفاً.
و {وتلك حدود الله} تقدم الكلام عليها قريباً.
وتبيين الحدود ذكرها للناس موضحة مفصلة معللة، ويتعلق قوله {لقوم يعلمون} بفعل {يبينها} ، ووصف القوم بأنهم يعلمون صريح فِي التنويه بالذين يدركون ما فِي أحكام الله من المصالح، وهو تعريض بالمشركين الذين يعرضون عن اتّباع الإسلام.
وإقحام كلمة (لقوم) للإِيذان بأن صفة العلم سجيتهم وملكة فيهم. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 2 صـ 420 - 421}
وقال الآلوسي:
{يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي يفهمون ويعملون بمقتضى العلم فهو للتحريض على العمل كما قيل أو لأنهم المنتفعون بالبيان، أو لأن ما سيلحق بعض الحدود منه لا يعقله إلا الراسخون، أو ليخرج غير المكلفين. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 2 صـ 142}