قَوْله تَعَالَى: {فَأْتُوهُنَّ} : مَعْنَاهُ فَجِيئُوهُنَّ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنْ الْوَطْءِ، كَمَا كَنَّى عَنْهُ بِالْمُلَامَسَةِ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ:"إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَعْفُو وَيُكَنِّي، كَنَّى بِاللَّمْسِ عَنْ الْجِمَاعِ".
وَأَمَّا مَوْرِدُهُ فَقَدْ كَانَ يَتَرَكَّبُ عَلَى قَوْله تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا} لَوْلَا قَوْلُهُ:"مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ"فَإِنَّهُ خَصَّصَهُ وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: وَفِيهَا سِتَّةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: مِنْ حَيْثُ نُهُوا عَنْهُنَّ.
الثَّانِي: الْقُبُلُ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
الثَّالِثُ: مِنْ جَمِيعِ بَدَنِهَا؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا.
الرَّابِعُ: مِنْ قَبْلِ طُهْرِهِنَّ؛ قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ.
الْخَامِسُ: مِنْ قَبْلِ النِّكَاحِ؛ قَالَهُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ.
السَّادِسُ: مِنْ حَيْثُ أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ الْإِتْيَانَ، لَا صَائِمَاتٍ وَلَا مُحْرِمَاتٍ وَلَا مُعْتَكِفَاتٍ؛ قَالَهُ الْأَصَمُّ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ قَوْلٌ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَكَيْفَمَا كَانَ النَّهْيُ جَاءَتْ الْإِبَاحَةُ عَلَيْهِ؛ فَبَقِيَ تَحْقِيقُ مَوْرِدِ النَّهْيِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: الْقُبُلُ، فَهُوَ مَذْهَبُ أَصْبَغَ وَغَيْرِهِ؛ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى: {قُلْ هُوَ أَذًى} وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ: وَهُوَ جَمِيعُ بُدْنِهَا فَالشَّاهِدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ} ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ.