قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) هذا منتظم بمعنى ما تقدم
ذكره من النفقة، كقوله:(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ
وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ).
ولما كان سؤالهم هنا عن النفقة: ما هي؟ وما قدرها؟ قال جل قوله: (قل) يا
محمد (الْعَفْوَ) وهو الفضل؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وخير الصدقة عن ظهر غنى،"
وابدأ بمن تعول"."
فالطيب الحلال والتوسط في الأمور كلها ممدوح، كما قال جلَّ قوله:
(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا(67) .
أي: إنا جعلنا بين الطرفين قوامًا.
ثم قال جلَّ قوله: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ).
(فصل)
ذكر بعض من تقدم - رحمة الله على جميعهم - أن هذا منسوخ بالأمر بالزكاة.
قال: وكذلك كل نفقة مذكورة في القرآن، وليس هذا بناسخ ولا منسوخ أيضًا،
إنما كان سؤالهم [عن] الإنفاق، وفيما يتطوعون به من المتصدق، ومن ذلك قوله
تعالى:(قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ
السَّبِيلِ)ثم زاد ذلك تبيينًا بقوله - جلَّ جلالُه: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) .
وليس كذلك خطاب الأمر بالزكاة المكتوبة الموجوبة المفروضة، إنما أجابهم
-جلَّ جلالُه - عن الإنفاق، فقال: (فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)
المعنى كما بيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"نفسك، ثم أباك، ثم أمك"فأدِّ مالك فما فضل
عن ذلك فقل به هكذا وهكذا وهكذا.
ولو كان الأمر بالزكاة ناسخًا لسائر النفقة لكان الأمر بصلاة الفريضة ناسخًا
لصلاة النافلة، والأمر بصيام رمضان مانعًا بالنسخ من صيام التطوع، فلا يكون من