الآية صلاة نافلة ولا صيام مرغب فيه، فكذلك الحج وجميع الرغائب من الخيرات،
فلِمَ هذا واجب عزم وهذا مرغب فيه مندوب إليه؛ ولكل خطاب معنى مراد به.
(فصل)
موجودات الدنيا كلها لا تخلو من أن تكون أفعالاً لله - جلَّ جلالُه - انفرد بها لا شريك
له، كالذي أوجده - جلَّ جلالُه - من المخلوقات، وابتدعه من المبتدعات أجمعها كالسماوات
والأرض والجبال والنجوم والسحاب والأفلاك والرياح والماء ينزله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه من السماء، وما ينميه من أنواع النبات، ويخلفه عنه من جميع
الحيوان.
وبالجملة: فالخلق كلهم بالأمر، أو يكونوا أفعالاً للعباد يخلقهم الله بواسطة
يكتسبونها بقدرهم التي أقدرهم الله - جلَّ جلالُه - ، ففي القسم الأول الاعتبار والنظر حتى
يعود بواسطة الاعتبار آخره، وفي القسم الثاني الأمر والنهي، ثم هذا القسم الثاني
على قسمين:
أحدهما: يفعله المكلف، وهو مأمور به أو مندوب إليه، عليه إن لم يفعله
وعيد، وله متى فعله على ما أمر به وعد، كالصلاة والصوم والجهاد وأنواع البر
فرضها ونفلها، ومنها ما لا بد للمكلف منه ليقيم بها جسمه ويصل بها نسله، كالأكل
والشرب والنكاح والأموال والأولاد، وما يتبع ذلك أو جر إله، فهذا القسم
بالإضافة إلى قسمه دنيا وذلك آخرة، فجعل الله - جلَّ جلالُه - يبين لهم ما هو إلى الدار الدنيا
أقرب، وما به تعمر بقوله: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) .
(وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ
أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ...) إلى
قوله تعالى: (وَيُبَيِّنُ) الله (آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي: التبري
والتولي لعلهم يتذكرون فيرجعون.
كما قال عزَّ من قائل:(وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ...)إلى قوله: (وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ (69) .