(فصل)
قال الحَلِيمي:
وإذا أسر الحربي وهو من المعطلة أو عبدة الأوثان فقيل له: لتسلم أو لنقتلنك، فأسلم، صح إسلامه في ظاهر الحكم.
فإن لم يؤمن من قلبه فهو عند الله تعالى منافق، وإنما كان إسلامه صحيحاً في الظاهر، لأن إكراهه عليه كان حقاً إذا لم يكن بدين الله تعالى ديناً، فإن الله تبارك وتعالى لا يرضى من قادر على التدين والتعطل، ولا يسوغ أحداً أن يشرك به شيئاً إذا كان لا الإكراه لحق لم يكن هو المكره والمختار فرق في الحكم كمن أكره على طلاق لحق، أو تفسير إقرار محمل، فإن طلاق ذلك وتفسير هذا كالواقع من المختار.
فإن قيل: ولم يكره أحد على الإيمان، والإيمان لا يصح إلا بالاعتقاد، والإكراه على الاعتقاد لا يتأتى لأنه معيب؟
قيل له: لأنه ليس وراء الإكراه إلا الإمساك والتجافي عنه مكان الإكراه أعدل، لأنه قد ينتبه على الإكراه على قبح الكفر وضيعته، فيحدث له ميل إلى الإسلام ورغبة فيه فيكون إيمانه إيمان مختار، ولو ترك لتمادى في كفره، فيكون الإكراه أشبه باستفتاح الكفر واستحبابه من الإمساك والله أعلم.
وأيضاً فإن الكافر إذا كان قد سمع دين الإسلام ودعوة النبي - صلى الله عليه وسلّم - وبعض ما جاء به من الإعلام، فالأغلب أن امتناعه من الإسلام عناد وليس عن شبهة واقعة له.
فإذا حمل على الإسلام بالوعد فأسلم، فالظاهر أن إسلامه لتبين الحق له، وإن كان أخره إلى أن يوعد عليه، وإنما الإكراه إنما أثر في إزالة عناده لا في تقرير صحة الإسلام.
كما أن المريض الذي يعرض عليه الدواء فيمتنع من شربه إذا حمل عليه بوعيد فتناوله لم يخل من أن يكون مستشفياً بالدواء وإن كان آخر تناوله إلى أن يوعد عليه، وكان أثر الإكراه إزالة الامتناع لا تحقيق شفعة الدواء عنده.
فلهذا جعل مسلماً في ظاهر الحكم وإن كان إسلامه عن إكراه والله أعلم.
مسألة: وأما الذمي إذا استكرهه المسلمون على الإسلام فأسلم، لم يلزمه الإسلام إلا بأن يقر بأن رأيه تغير وأسلم مختاراً لأنه لم يكن لهم أن يستكرهوه بعد ثبوت الذمة له، فكان ذلك كاستكراه الكفار المسلم على الكفر.
ومعلوم أنه إن تكلم بالكفر غير مختار لم يكفر.
فكذلك الذمي إذا استكره على الإسلام فكلم بالحق غير مختار لم يسلم.
فإن قيل: الإكراه على الإسلام إكراه على حق فلم لا كان إسلام المكره كإسلام المختار؟
قيل: الإكراه على الحق ينبغي أن يكون بحق حتى يصير المكره كالمختار.