(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
قال التنوخي:
(حكاية)
ذكر عبد الله بن منصور قال: كنت يوماً في مجلس الفضل بن يحيى فأتاه الحاجب فقال: إن بالباب رجلاً قد أكثر في طلب الإذن، وزعم أن له يداً يمت بها، قال: أدخله، فدخل رجل جميل الوجه رث الهيئة. فأحسن السلام، فأومأ إليه بالجلوس فجلس فلما علم أنه قد انطلق وأمكنه الكلام قال له: ما حاجتك؟ قال له: قد أعربت عنها رثاثة هيئتي وضعف طاقتي. قال: أجل. فما الذي تمت به؟ قال ولادة تقرب من لادتك، وجوار يدنو من جوارك، واسم مشتق من اسمك.
قال الفضل: أما الجوار فقد يمكن أن يكون كما قلت، وقد يوافق الاسم الاسم، ولكن ما علمك بالولادة؟ قال: أعلمتني أمي أنها لما وضعتني قيل لها إنه ولد الليلة ليحيى بن خالد غلام وسمي الفضل، فسمتني فضيلاً إعظاماً لاسمك أن تلحقني به"وصغرته لقصور قدري عن قدرك"، فتبسم الفضل وقال: كم أتى عليك من السنين قال: خمس وثلاثون سنة قال: صدقت هذا المقدار الذي أعد لنفسي قال: فما فعلت أمك؟ قال: توفيت رحمها الله قال: فما منعك من اللحوق بنا فيما مضى؟ قال: كنت في عامية وحداثة تقعد بي عن لقاء الملوك، قال: يا غلام أعطه لكل عام مضى من سنيه ألفاً، وأعطه من كسوتنا ومراكبنا ما يصلح به، فلم يخرج من الدار إلا وقد طاف به أخوته وخاصة أهله.
(حكاية)
يروى أن رجلاً جاء إلى عبيد الله بن العباس وهو بفناء داره فقام بين يديه فقال: يا ابن العباس إن لي عندك يداً وقد احتجت إليها، فصعد فيه بصر وصوبه فلم يعرفه. ثم قال له: ما يدك عندنا فإني لا أثبتك؟ قال رأيتك واقفاً بزمزم، وغلامك يمتح لك من مائها، والشمس قد صهرتك، فظللتك بطرف إزاري حتى شربت قال أجل إني لأذكر ذلك، وإنه ليتردد بين خاطري وفكري.
ثم قال لقيمه: ما عندك؟ قال مائتا دينار وعشرة آلاف درهم قال: ادفعها كلها إليه وما أراها تفي بحق يده عندنا.
فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيك ما كفاه، فكيف وقد ولد سيد الأولين والآخرين محمداً صلى الله عليه وسلم ثم"شفعه"بك وبأبيك.
(حكاية)
قال بعض العرب خرجت في بعض الليالي السود فإذا بجارية كأنها صنم فراودتها عن نفسها، فقالت: يا هذا ما لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك زاجر من دين؟ فأخجلني كلامها، فقلت إنما كنت مازحاً، فقالت:
وإياك إياك المزاح فإنه ... يطمّع فيك الطفل والرجل النذلا