قال القرطبي:
قوله تعالى: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله} شرط وجوابه.
والخير فِي هذه الآية المال؛ لأنه قد اقترن بذكر الإنفاق؛ فهذه القرينة تدل على أنه المال، ومتى لم تقترن بما يدل على أنه المال فلا يلزم أن يكون بمعنى المال؛ نحو قوله تعالى: {خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} [الفرقان: 24] وقوله: {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [الزلزلة: 7] .
إلى غير ذلك.
وهذا تحرُّز من قول عكرمة: كل خير فِي كتاب الله تعالى فهو المال.
وحُكي أن بعض العلماء كان يصنع كثيراً من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيراً، فقيل له فِي ذلك فيقول: إنما فعلت مع نفسي؛ ويتلو {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ} . انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 3 صـ 339}
وقال أبو السعود:
{وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ} على الأول التفاتٌ من الغَيبة إلى خطاب المكلفين لزيادة هزّهم نحو الامتثال، وعلى الثاني تلوينٌ للخطاب بتوجيهه إليهم وصرفهِ عن النبي صلى الله عليه وسلم و {مَا} شرطية جازمة و {تُنفِقُواْ} منتصبة به على المفعولية ومن تبعيضية متعلقة بمحذوفٍ وقعَ صفةً لاسم الشرط مبيّنةٌ ومخصصةٌ له أي أيِّ شيء ٍ تنفقوا كائنٌ من مال {فَلاِنفُسِكُمْ} أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيرُكم فلا تمنوا على من أعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث، أو فنفعُه الدينيَّ لكم لا لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث الدينُ من فقراء المشركين. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 1 صـ 264}
قوله تعالى: {وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله}
فصل
قال الفخر:
في هذه الآية وجوه
الأول أن يكون المعنى: ولستم فِي صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله، فقد علم الله هذا من قلوبكم، فانفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله فِي صلة رحم وسد خلة مضطر؛ وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم