قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ...(272)
هذا خطاب راجع معناه إلى المؤمنين الموصوفين بالمنِّ والأذى والبخل والشح والزنا والكفر بالله، وأهل
الإهمال في الثبات عند توجيه الأعمال، وتعمد إخراج رديء المال وخبيثه دون
طيبه، هذا انتظامه بالمجاورة، وأما المعنى: فهو راجع إلى كل مذموم من خلق
وعمل في دنيا أو دين.
ثم أرجع - جلَّ جلالُه - الخطاب إلى ذكر الإنفاق بقوله جلَّ قوله:(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ
فَلِأَنْفُسِكُمْ)الخير هو هَاهُنَا: الطيب، وتوجيهه على وجهه، وأراه -
والله أعلم - عنى بذلك: من ليس عنده ما ينفق إلا على نفسه، [فوعده] بهذه النفقة
على نفسه أعظم الأجر.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من له درهم فليعد به على نفسه، ثم على ولده، ثم على"
عياله، ثم على خادمه، ثم على قريبه، ثم على جاره، ثم فليقل هكذا وهكذا"."
قوله: (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) لم يسمِّ اللَّه جلَّ ذكره إنفاقًا إلا ما كان
لوجهه الكريم"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا"وما كان لغيره أو لغير نية حميدة
فاسمه التبذير والإسراف.
ثم أرجع - جلَّ جلالُه - الخطاب إلى قوله جلَّ قوله: (فَلِأَنْفُسِكُمْ) بقوله جلَّ قوله:(وَمَا
تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ)ثم أرجع الخطاب إلى قوله جل قوله:
(وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) .
لما بيَّن أن الإنفاق هو ما وجه إليه نظم - جلَّ جلالُه - إتمام البيان بحيث يكون موقع
الإنفاق، فقال عز من قائل: (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ...(273) .
بتجارة ولا عمل في ابتغاء الرزق(يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ
التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)هذه هي الدرجة
العليا في المعطي ومواقع الإنفاق بعد قوت النفس والعيال.