قال - رحمه الله:
{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}
قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو"فَرُهُنٌ"كَسُقُفٍ - بِضَمَّتَيْنِ - وَالْبَاقُونَ"فَرِهَانٌ"كَحِبَالٍ وَكِلَاهُمَا جَمْعُ رَهْنٍ بِمَعْنَى مَرْهُونٍ. وَلَيْسَ تَعْلِيقُ مَشْرُوعِيَّةِ أَخْذِ الرَّهْنِ بِالسَّفَرِ وَعَدَمِ وُجُودِ كَاتِبٍ يَكْتُبُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِاشْتِرَاطِهِمَا مَعًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بَيَانُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْكِتَابَةِ لِعُذْرٍ، وَكَوْنِ الرَّهْنِ يَقُومُ مَقَامَ الْكِتَابَةِ فِي الِاسْتِيثَاقِ عِنْدَ تَيَسُّرِهَا كَمَا يَكُونُ فِي حَالِ السَّفَرِ، وَإِلَّا فَقَدَ رَهَنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دِرْعَهُ فِي الْمَدِينَةِ لِيَهُودِيٍّ. وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَدْ خَالَفَ الْجُمْهُورَ فِي هَذَا مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ. وَأَقُولُ: إِنَّ فِي جَعْلِ عَدَمِ وُجْدَانِ الْكَاتِبِ مُقَيَّدًا بِحَالِ السَّفَرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ مَوَاطِنِ الْإِقَامَةِ أَنْ تَكُونَ خُلُوًّا مِنَ الْكُتَّابِ، وَالْكِتَابَةُ مَفْرُوضَةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَالْإِيمَانُ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالْإِذْعَانِ وَالْعَمَلِ، وَنَاهِيكَ بِالْفَرِيضَةِ إِذَا أُكِّدَتْ كَالْكِتَابَةِ حِينَئِذٍ يَقْطَعُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا بُدَّ أَنْ يَأْتُوهَا، بَلْ لَا يُفْرَضُ أَنْ يُخَالِفُوهَا وَأَلَّا يُوجَدَ الْكُتَّابُ عِنْدَهُمْ إِلَّا حَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا مَعْذُورِينَ كَمَا يَكُونُ فِي السَّفَرِ، وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنَ الْعِبَارَةِ بِالْإِشَارَةِ وَهُوَ مِنْ أَدَقِّ أَسَالِيبِ الْبَلَاغَةِ.