فصل فِي مَعانِى السُّورةِ كامِلةً
قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني:
سورة آل عمران
مدنيّة، وهي مئتا آية في غير عدد أهل الشام بسم الله الرحمن الرّحيم عن أبي إسحاق والرّبيع أنّ نيّفا وثمانين آية من أوّل هذه السّورة نزلت في وفد نجران.
وقد مضى تفسير الحروف المقطعة.
3 - {وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ:} أصل التّوراة عند الكوفيّين: تورية بوزن توصية، فلمّا أخرجوا اللّفظ من حيّز الأفعال إلى الأسماء نقلوا حركة عين الفعل إلى الفتحة فانقلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها. وهو معنى الإيراء؛ لأنّ الله تعالى أورى لموسى عليه السّلام نارا، وكان ذلك سبب كتابه فسمّي كتابه بذلك. وقيل: سمّي لكونه ضياء وهدى، قال الله تعالى:
{وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً} [الأنبياء:48] . وقيل: إنّه من التّعريض؛ لأنّ التّعريض في التوراة كثير. وقيل: إنّه باللغة العبريّة: توروه، وهو الأدب والمتأدّب.
وعند البصريّين وزن التّوراة: وورية كقوصرة، قلبت الواو الأولى تاء كما في تولج، مشتقّ من الإيراء.
و (الإنجيل) إفعيل من النّجل، والنّجل عبارة عن الولادة والتولّد والتوليد، يقال: قبّح الله ناجليه، أي: والديه، وإنّما سمّي كتاب عيسى بذلك لأنّ الحكمة تتولّد منه.
وقال الأصمعيّ: الإنجيل كلّ كتاب مسطور وافر السطور.
وقيل: إنّ الله تعالى أعطى المسيح أربع كلمات، فأعطاها هو أربعة نفر من الحواريّين:
يوحنا ومتّى ومرقوش من جملة الاثني عشر، ولوقا من جملة السبعين، فاستخرج هؤلاء الأربعة من تلك الكلمات معانيها بإلهام من الله تعالى، وضمّنوها كتابا وسمّوه الإنجيل؛ لأنّه كالمتولّد من تلك الكلمات الأربع.
وعن عبد الله بن سلام وأخيه عبيد الله عن الصابئين باليمن أنّ الإنجيل الصحيح عندهم أملاه عليهم المسيح عليه السّلام، وأنّ هذه الكتب الأربعة كتب التّلامذة اكتتبها لهم يهوديّ وحرّف الكلم عن مواضعه.
4 - {ذُو انْتِقامٍ:} الانتقام: المعاقبة، وهو افتعال من النقمة، والنقمة: العقوبة.
5 - {إِنَّ اللهَ لا يَخْفى:} لا ينكتم {عَلَيْهِ شَيْءٌ،} وضدّه الظّهور. وإنّما لم يقتصر على (شيء) ؛ لأنّ ذكر السماء والأرض أبلغ في التّهديد وأوقع في النفس.
6 - {يُصَوِّرُكُمْ:} التّصوير: إحداث الصّورة، والصّورة شكل الأجسام حقيقة، ويعبّر بها عن كيفيّة كلّ متكيّف، وأصلها من الإمالة.