ومن لطائف ونكات تفسير القرطبي:
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ...(7)
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُحْكَمَاتِ وَالْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى أَقْوَالٍ عَدِيدَةٍ، فَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا: الْمُحْكَمَاتُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ مَا عُرِفَ تَأْوِيلُهُ وَفُهِمَ مَعْنَاهُ وَتَفْسِيرُهُ وَالْمُتَشَابِهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مما استأثر الله تعالى بعلمه دُونَ خَلْقِهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَذَلِكَ مِثْلُ وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَالدَّجَّالِ وَعِيسَى، وَنَحْوِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ.
قُلْتُ: هَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْمُتَشَابِهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَائِلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَنِ الرَّبِيعِ بن خيثم إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآنَ فَاسْتَأْثَرَ مِنْهُ بِعِلْمِ مَا شَاءَ، الْحَدِيثَ.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: الْمُحْكَمُ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ: سُورَةُ الْإِخْلَاصِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا التَّوْحِيدُ فقط.
وقد قِيلَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ مُحْكَمٌ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) .
وَقِيلَ: كُلُّهُ مُتَشَابِهٌ، لِقَوْلِهِ: (كِتاباً مُتَشابِهاً) .
قُلْتُ: وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ في شيء ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) أَيْ فِي النَّظْمِ وَالرَّصْفِ وَأَنَّهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَمَعْنَى (كِتَابًا مُتَشَابِهًا، أَيْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (آياتٌ مُحْكَماتٌ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا الْمُتَشَابِهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ بَابِ الِاحْتِمَالِ وَالِاشْتِبَاهِ، مِنْ قَوْلِهِ: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا) أَيِ الْتَبَسَ عَلَيْنَا، أَيْ يَحْتَمِلُ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً مِنَ الْبَقَرِ.