ومن لطائف ونكات تفسير الواحدي:
سورة آل عمران
قوله تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ}
إنّما قال: {نَزَّلَ} ، وقال: {وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} ؛ لأن التنزيل للتكثير. والقرآن نزل نجومًا، شيء بعد شيء ، والتوراة والإنجيل نزلتا دفعةً واحدةً.
{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) }
«فإن قيل» : وأي تخصيصٍ لِلرَّاسخين إذا لم يَعرِفوا، فإنَّ غيرَهم أيضًا يقولون: {آمَنَّا بِهِ} ، فَلِمَ خَصَّ الراسخينَ بالذكر؟
قلنا: المراد بـ (الراسخين) : كلُّ مَنْ يقول: {آمَنَّا} وليس المراد بهم الذين يدأبون في التَّعَلُّمِ ويَجْتَهِدُون. وقد ذكرنا عن ابن عباس، أنه قال: سمَّاهم (راسخين) ، بقولهم: {آمَنَّا} .
{قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ}
«فإن قيل» : المسلمون يوم بَدر كانوا ثلاثمائة وثلاثةَ عشر رجلًا، والكفار كانوا تسعمائة وخمسين رجلًا، فكيف رأى المسلمون المشركين مِثْليهم، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم؟!
فزعم الفرَّاءُ: أن المعنى: يرونهم ثلاثة أمثالهم. قال: لأنك إذا قلت: (عندي ألف، وأحتاج إلى مِثليه) . فأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف؛ لأنك لمَّا نَوَيْتَ أن يكون الألف الذي عندكَ داخلًا في المِثْل، كان (المِثْل) : اثنين، و (المثلان) : ثلاثة. وعلى هذا الآية كانت في أن المسلمينَ رَأَوْا المشركين على ما هم عليه مِنْ وُفُورِ العَدَدِ، ومع ذلك كانت قلوبهم مملوءةً جُرْأةً عليهم، واحتقارًا لهم، وشهوةً لملابستهم.