قال الزجاج: وهذا غلط؛ لأنَّا إنما نعقل (مِثْل الشيء) : مساويًا له، و (مثليه) : ما يساويه مَرَّتَيْن. والذي قاله الفرَّاءُ يَبْطُل في معنى الدلالة على الآية المعجزة؛ لأن المسلمين إذا رأوهم على هيئتهم، فليس في هذا آيةً، وإنما المعنى في هذا: أن الله عز وجل أرى المسلمين أنَّ المشركين إنما هم ستمائة وكَسْر، وذلك، ان الله عز وجل كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، فأراهم المشركين على قَدْرِ ما أعلمهم أنهم يغلبونهم؛ ليُقَوِّي قلوبَهم.
والدليل على صحة هذا المعنى: قوله: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} [الأنفال: 44] ، فرأى كلُّ واحدٍ من الفريقين الآخرَ أقلَّ مِمّا كانوا؛ لِيَطْمَعَ كلُّ واحد منهما في الآخر، فيتقدم ويُلابِسَ. وهذا هو الذي فيه الآية المعجزة، وهو رؤية الشيء بخلاف صورته. انتهى كلامه.
هذا إذا جعلنا قوله: {يَرَوْنَهُمْ} إخبارًا عن المؤمنين، فإنْ جعلته
إخبارًا عن الفئة الكافرة، فيكون المعنى: يُرِي الفئةَ الكافرةَ الفئةَ المقاتلةَ في سبيل الله مِثْلَيهم أي: مِثْلي ما كانوا، أو مِثْلي أنفسهم، على ما ذكرنا مِنْ تكثير الله إيَّاهم.
«فإن قيل» : كيف يصح تكثير الله المسلمينَ في أعينِ الكافرين، وقد قال: {وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} [الأنفال: 44] .
فالجواب: ما قاله أبو عبيد، وهو إنَّ التقليل كان في حالة أخرى، فالله تعالى كثَّر المسلمين في أعين الكافرين، كما قَلَّل الكافرين في أعينهم، ثم في حالة أخرى، قَلَّل المسلمين في أعينهم؛ لِيَطْمَعوا فيهم، فإذا لابسوهم، كانت العاقبةُ للمسلمين عليهم. فَكِلا الأمرين فيه دلالة على لُطْف الله عز وجل للمؤمنين، وحُسْن مَعُونَتِه إياهم.