[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ
(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ ... (4)
اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ (هُدًى لِلنَّاسِ) فِيهِ احْتِمَالَانِ
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَائِدًا إِلَى التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَقَطْ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ قَدْ وَصَفَ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ حَقٌّ، وَوَصَفَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ بِأَنَّهُمَا هَدًى وَالْوَصْفَانِ مُتَقَارِبَانِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّهُ وَصَفَ الْقُرْآنَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِأَنَّهُ (هَدًى لِلْمُتَّقِينَ) فَلِمَ لَمْ يَصِفْهُ هَاهُنَا بِهِ؟
قُلْنَا: فِيهِ لَطِيفَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّا ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) [الْبَقَرَةِ: 2] لِأَنَّهُمْ هُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ، فَصَارَ مِنَ الْوَجْهِ هُدًى لَهُمْ لَا لِغَيْرِهِمْ، أَمَّا هَاهُنَا فَالْمُنَاظَرَةُ كَانَتْ مَعَ النَّصَارَى، وَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ بِالْقُرْآنِ فَلَا جَرَمَ لَمْ يَقُلْ هَاهُنَا فِي الْقُرْآنِ إِنَّهُ هَدًى بَلْ قَالَ: إِنَّهُ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ سَوَاءٌ قَبِلُوهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلُوهُ، وَأَمَّا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِي صِحَّتِهِمَا وَيَدَّعُونَ بِأَنَّا إِنَّمَا نَتَقَوَّلُ فِي دِينِنَا عَلَيْهِمَا فَلَا جَرَمَ وَصَفَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَجْلِ هَذَا التَّأْوِيلِ بِأَنَّهُمَا هَدًى، فَهَذَا مَا خَطَرَ بِالْبَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْكُتُبَ الثَّلَاثَةَ بِأَنَّهَا هُدًى، فَهَذَا الْوَصْفُ عَائِدٌ إِلَى كُلِّ مَا تَقَدَّمَ وَغَيْرُ مَخْصُوصٍ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ.
ثُمَّ قَالَ: (وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ) .
وَلِجُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهِ أَقْوَالٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الزَّبُورُ، كَمَا قَالَ: (وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا) [النِّسَاءِ: 163]