وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"نسمة المؤمن في حواصل طير"الحديث. فهذا العموم على المجاهدين. لأنه قد ورد أن الروح في القبر يعرض عليها مقعدها من الجنة والنار، ولأنا أمرنا بالسلام على القبور. ولولا أن الأرواح، تدرك لما كان فيه فائدة.
والموت أيضًا إنما تتصف به الأجساد دون الأرواح، لقوله عز وجل: {كل نفس ذائقة الموت} أي عالمة الموت. والموت عرض ينافي الإدراك، فلو قام بها، وكانت هي الميتة لاجتمع الضدان.
قوله عز وجل: .... {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك} ... (3: 191) .
فيه سؤالان: الأول: ما المراد بالباطل. الثاني: أن الله عز وجل له أن يخلق الخلق لا لمصلحة وغرض، فكيف ينزه عما له أن يفعله، بقوله: سبحانك، إذ لا ينزه إلا عن نقيصة، والنقيصة محال عليه، وهذا ليس محالاً عليه، فلا يكون نقيصة، فلا ينزه عنه. وهذه حجة كبيرة للمعتزلة في أنه لا يفعل الشيء إلا لغرض. فلا جرم حسن التنزيه عنه لاستحالته عليه، ولو
كان ممكنا لم يحسن التنزيه.
والجواب عن الأول: أن الباطل هاهنا هو الذي لا فائدة له، والخلق له فوائد التكليف، والنفع الدنيوي، وإظهار الحكمة.
وعن الثاني: أنه ما نزه إلا عن مستحيل. بيان: ذلك: أن الله عز وجل أخبر أنها إنما خلقت للتكاليف، بقوله: {وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزي كل نفس بما كسبت} ، أي للتكليف والجزاء، فلو خلقها لا لمعنى البتة، للزم الخلف في هذا الخبر، والخلف (نقيصة) مستحيلة، فحسن التنزيه له عنها، فنفس المذكور في اللفظ ليس هو المنزه عنه. انتهى انتهى {فوائد في مشكل القرآن، للعز بن عبد السلام. ص/ 104 - 108} ...