[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
(الإحسان وعبقرياتهم في الجود واصطناع المعروف وقِرى الأضياف وذم البخل والسؤال)
قال البرقوقي:
وهذا لون ثانٍ من ألوان البِرِّ هو في الواقع ينتظم لونين، فأما أولهما فهو هذا الذي نحن بصدده الآن، وهو الجود واصطناع المعروف، وسائر ما يمتّ إلى ذلك بسببٍ واصلٍ من قرى الأضياف وذمّ البخل، وأما الآخر فهو حسن الخلق، وسنفرد له وَصلاً تراه عقيب هذا.
تحفي الإسلام بالإحسان: وكما أن صلة الرحم بعامة، وبرَّ الوالدين بخاصة، مما تحفّى به الإسلام كل التحفّي، حتى قرنه بالتوحيد وبالتقوى، ترى هذا الدين الحنيف، لقد تحفّى كذلك كل التحفّي بالإحسان إلى مستحقيه، وذمَّ الشُّحَّ ونَعاه، على أهليه، وامتدح الجود ونوّه به كل التنويه، حتى قرن ذكره بالإيمان، ووصف أهله بالفلاح، والفلاح اسم جامع لسعادة الدارين، فقال سبحانه وتقدس: الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. .
وقال في وصف الأنصار: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ... الخصاصة: الفقر، ويوقى: يُصان وقال عز وجل: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} ، إلى أن قال سبحانه: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} ... الآيات ...