قوله سبحانه: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ} ... الآية، فإن ذلك تمثيلٌ لا يقتضى وقوعه، والجنة: البستان، والربوة: الموضع المرتفع، وشجره في العادة يكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً، والوابل: المطر العظيم وقال: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} ، {وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} .
والبر ههنا: فهو برُّ الله، أي خير الدنيا والآخرة، أي السعادة والفلاح والفوز، أو تقول: لن تنالوا البر: أي لن تنالوا حقيقة البر حتى تنفقوا مما تحبون.
قال الراغب في الذريعة: وحُقَّ للجود أن يُقرن بالإيمان، فلا شيء أخصُّ به، وأشدُّ مجانسة، منه، إذ من صفة المؤمن انشراحُ الصدر: {فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء} ... وهذا من صفات الجواد والبخيل، لأن الجواد يوصف بسعة الصدر للإنفاق، والبخيل يوصف بضيق الصدر للإمساك...
(الناس مجبولون على البخل)
وأما بعد فإن أكثر هذا الناس لقد جبلوا على البخل، فالبخل هو الأصل، وإنما الجود في سائر ألوانه، تكلُّفٌ وتعمُّلٌ وحَمْلٌ للنفس على مكروهها وعلى غير ما جُبلت عليه، وقد قيل لحاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الجود: كيف تجد الجود في قلبك؟ فقال: إني لأجده كما يجده الناس، ولكني أحمل نفسي على خُططِ الكرام، وقال بعض الأجواد: إنّا لنجد كما يجد البخلاء ولكنّا نصبر ولا يصبرون... وفي هذا المعنى يقول البحتري:
وَأشَقُّ الأفْعالِ أَنْ تَهَبَ الأن ... فُسُ ما أُغْلِقتْ عليهِ الأكُفُّ
ويقول أبو يعقوب الخُريميّ:
ودُونَ النَّدى في كُلِّ قَلْبٍ ثنِيَّةٌ ... بهَا مَصْعَدٌ حَزْنٌ ومُنْحدَرٌ سَهْلُ
ويقول أبو العتاهية:
اِطْرَحْ بطَرْفِكَ حيْثُ شِئْ ... تَ فلن تَرَى إلاَّ بخيلا
ويقول ابن نُباتة السّعدي:
كيف السبيلُ إلى الغِنى ... والبُخْلُ في الناسِ فِطْنَهْ
وأكثر من يتسخّى ويجود فإنما يجود رغباً أو رهباً - رغباً في عاجل الجزاء، كملقي الحب للطير ليصيد به لا لينفعه
ومَنْ يَظَّنُّ نَثْرَ الحَبِّ جُوداً ... ويَنْصِبُ تحْتَ ما نَثَرَ الشِّباكا
ورهباً من عابٍ يلتصق به أو مكروهٍ يصيبه:
مِثْلُ الحِمارِ المُوَقَّعِ الظّهْر لا ... يُعطيك شيئاً إلا إذا رَهِبا