[من روائع الأبحاث]
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
فإن قيل: فهل كان شاكًّا حتى قال: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 265] ؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أنه أراد أن يجمع بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، كما أنَّ الإنسان يعلم الشيء ويتيقَّنه ولكن يحبُّ أن يراه عيانأ، كما أنَّ المؤمنين يحبُّون الله ويختارون رؤيته في الجنان مع الإيمان وزوال الشك، قاله ابن عباس.
والثاني: أنه رأى دابَّة ميِّتة على جانب البحر تاكلها دوابُّ البحر وتمزِّقها دواب البرِّ، فجاءه الخبيث فقال له: يا إبراهيم، متى يجمع الله هذه من بطون السِّباع والحيتان؟ فقال: {أَرِنِي كَيفَ تُحْييِ الْمَوْتَى} لتذهب عني وسوسة الشيطان، قاله ابن زيد ومقاتل.
والثالث: أنه لما بُشِّر بالخلَّة سأل ذلك ليتيقَّن بالإجابة صحَّة ما بشّر به، قاله ابن مسعود والسُّدي.
والرَّابع: لأنه لما ناظر نمرود وقال له: أنا أحي وأميت قال: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] قال له نمرود: أنت عاينت ذلك؟ فلم يقل: نعم لأنه ما شاهده، فلمَّا قال: أرني كيف تحيي الموتى قال له الله تعالى: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} فلعل نمرود يناظرني مرَّة ثانية فأقول: نعم، فلا أحتاج إلى الانتقال إلى حجَّة أخرى.