فإن قيل: فكل هذه الأجوبة مجاز لا حقيقة، وقد ثبت أنه كان شاكًّا مثل قوله: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 76 - 78] والدليل عليه ما رواه الأئمة، فقال أحمد بإسناده عن سعيد بن المسيَّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"نحنُ أحقُّ بالشَّكِ من أَبينَا إِبراهيمَ حيثُ قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ثم قرأ الآية حتى أنجزها، أخرجاه في الصحيحين، وفيه:"يَرحمُ اللهُ لوطًا لقد كانَ يَأوي إلى رُكنٍ شَديدٍ ولو لَبِثتُ ما لَبِثَ يُوسفُ في السِّجنِ لأَجَبتُ الدَّاعِي"."
والجواب: قالوا: ما شهد له الرَّسول بالشكِّ، وإنما مدحه لأنَّ معناه نحن أحق بالشكِّ منه وما شككنا، وكيف يشكُّ هو، وإنما شك هل يجيبه إلى سؤاله أم لا؟ وكذا باقي الحديث مدح للوط ويوسف.
وقال ابن إسحاق: هذه الواقعة جرت لإبراهيم قبل النبوَّة، وقبل إنزال الصحف، وقبل أن يولد له، وقبل بناء البيت، لأنه مرَّ على بحيرة طبريَّة لما دخل الشَّام فرأى الميتة على جانبها فيكون هذا من جنس قوله: {هَذَا رَبِّي} .
وقال محمد بن مقاتل الرَّازي: ما كان شاكًّا في القدرة بدليل قوله: {أَرِنِي} ولو كان شاكًّا لقال: هل تحيي الموتى؟ فكان معنى قوله: {أَرِنِي} أي ما أنا موقن به، ولكن ليطمئنَّ قلبي بزيادة اليقين والحجَّة وحقيقة الخُلَّة وإجابة الدعوة. فقال له الله تعالى: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ} .
فإن قيل: فلم قال: {يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة: 260] ولم يقل: طيرانًا؟
قلنا: لو طارت لتوهم متوهِّم أنها غيرُ تلك، وأدتَّ أرجلَها غيرُ سليمة، فكان أبلغ في الحُجَّة وأبعد من الشُّبهة.