أسفله، وأصابه مطر وابل فجرد يسير التراب عنه، وذهب بالبذر فبقي الصفا صلدًا.
مثَّل - جلَّ جلال ربنا وتعالى علاؤه وشأنه - التراب اليسير الذي يستر الصفا
بقول المرائي وبظاهر حاله، ومثل باطنه بما لا [ينفذ] فيه عروق الزرع ولا ينبت عليه،
وهو الصفا، فإن ما فات من عمله ما يقوم في إبطاله مقام المطر الوابل في إزالة
ذلك التراب والذهاب بالبذر عن أصوله.
ثم مثَّل - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه مثل إنفاق المؤمن يريد به وجه الله والدار الآخرة، وعبر عن احتسابه في ذلك وحسن توجيهه بالعمل بقوله جلَّ قوله: (وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ) متى إتباع عمله بعضه بعضًا حسنًا بعد
حسن، ومحافظته على أعماله (فَآتَتْ) على ذلك (أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا)
الكثير من ذلك المعبر عنه بالوابل فالقليل؛ أي: من العمل المعبر عنه بقوله جلَّ
قوله: (فَطَلٌّ) .
ويُعطي ذلك طيب ترابها، ومات يشجرها؛ لذهاب عروقها سفلاً وبسوق فروعها
علوًّا، كذلك يقين المؤمن [التقي] في الرخاء شكور، وفي الشدائد صبور؛ لثبات علمه
وقوة يقينه، وطيب نفسه بطول ما أدبها في ذات الله سبحانه وصابرها على طاعته،
كالفارس المنتخب لغرسه ربوة من الأرض نزلت عن الجبل فسلمت من حرارته
وحدوبته ويبوسته، وارتفعت عن البطنان ومستنقع المياه، فعوفيت من إجحاف
السيول وما يمر عليه من إفراط رطوبات المناقع وعفنها، ثم نقى ربوته هذه من
الشائكات وغير ذلك من غرائب نباتها المردية لغِراسه وسوَّاها، وحسَّن عمارتها
والقيام عليها.
ثم أكّد ذلك - جلَّ جلالُه - بمثلٍ ثالث جمع فيه [المعنيين] ، فأبلغ - جلَّ جلالُه - في النصيحة، وألطف
في التحذير عن اتباع العمل بما نهى عنه، ومثَّل ذلك - جلَّ جلالُه - بأحوالنا التي نجدها
ضرورة من أنفسنا، ليفهَم عنه من أراده بالأهام، وقال جل قوله وقوله الحق: (أَيَوَدُّ
أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ