قال - رحمه الله:
فإن قلت: كيف ترتبت الجمل فِي آية الكرسي من غير حرف عطف؟
قلت: ما منها جملة إلا وهي واردة على سبيل البيان لما ترتبت عليه والبيان متحد بالمبين، فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب: بين العصا ولحائها، فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمنا عليه غير ساه عنه. والثانية لكونه مالكاً لما يدبره.
والثالثة لكبرياء شأنه.
والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق، وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة، وغير المرتضى.
والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله وعظم قدره.
فإن قلت: لم فضلت هذه الآية حتى ورد فِي فضلها ما ورد منه قوله صلى الله عليه وسلم:
"ما قرئت هذه الآية فِي دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة، يا عليّ علمها ولدك وأهلك وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها"وعن عليّ رضي الله عنه: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم على أعواد المنبر وهو يقول:
"من قرأ آية الكرسي فِي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمّنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله"وتذاكر الصحابة رضوان الله عليهم أفضل ما فِي القرآن، فقال لهم عليّ رضي الله عنه.
أين أنتم عن آية الكرسي، ثم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم"يا عليّ، سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي"قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص لاشتمالها على توحيد الله وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى، ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار. وبهذا يعلم أنّ أشرف العلوم وأعلاها منزلة عند الله علم أهل العدل والتوحيد ولا يغرّنك عنه كثرة أعدائه:
فإنَّ الْعَرَانِينَ تَلْقَاهَا مُحَسَّدَةً ... وَلاَ تَرَى لِلئَامِ النَّاسِ حُسَّادًا. انتهى انتهى. {الكشاف حـ 1 صـ 301 - 303}
وأهل العدل والتوحيد الذين أشار إليهم هم المعتزلة، سموا أنفسهم بذلك قال بعض شعرائهم من أبيات:
إن أنصر التوحيد والعدل فِي ... كل مقام باذلاً جهدي
وهذا الزمخشري لغلوه فِي محبة مذهبه يكاد أن يدخله فِي كل ما يتكلم به، وإن لم يكن مكانه. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 2 صـ 286}