الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) }
ذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ زِيَادَةِ الْأَهِلَّةِ، وَنُقْصَانِهَا، وَاخْتِلَافُ أَحْوَالِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ هَذِهِ الْآيَةَ جَوَابًا لَهُمْ فِيمَا سَأَلُوا عَنْهُ.
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ النَّاسُ"لِمَ خُلِقَتِ الْأَهِلَّةُ؟ فَنَزَلَتْ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} لِصَوْمِهِمْ وَإِفْطَارِهِمْ وَحَجِّهِمْ وَمَنَاسِكِهِمْ. قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَوَقْتِ حَجِّهِمْ، وَعِدَّةِ نِسَائِهِمْ، وَحَلِّ دَيْنِهِمْ"
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ: يَسْأَلُونَكَ يَا مُحَمَّدُ عَنِ الْأَهِلَّةِ، وَمِحَاقِهَا، وَسِرَارِهَا، وَتَمَامِهَا، وَاسْتِوَائِهَا، وَتَغَيُّرِ أَحْوَالِهَا بِزِيَادَةٍ، وَنُقْصَانٍ، وَمِحَاقٍ، وَاسْتِسْرَارٍ، وَمَا الْمَعْنَى الَّذِي خَالَفَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ الَّتِي هِيَ دَائِمَةٌ أَبَدًا عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ لَا تَتَغَيَّرُ بِزِيَادَةٍ، وَلَا نُقْصَانٍ، فَقُلْ يَا مُحَمَّدُ خَالَفَ بَيْنَ ذَلِكَ رَبُّكُمْ لِتَصْيِيرِهِ الْأَهِلَّةَ الَّتِي سَأَلْتُمْ عَنْ أَمْرِهَا وَمَخَالَفَةِ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا فِيمَا خَالَفَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مَوَاقِيتُ لَكُمْ وَلِغَيْرِكُمٍ مِنْ بَنِي آدَمَ، فِي مَعَايِشِهِمْ، تَرْقُبُونَ بِزِيَادَتِهَا، وَنُقْصَانِهَا، وَمَحَاقِهَا، وَاسْتِسْرَارِهَا، وَإِهْلَالِكُمْ إِيَّاهَا أَوْقَاتَ حَلِّ دُيُونِكُمْ، وَانْقِضَاءَ مُدَّةِ إِجَارَةِ مَنِ اسْتَأْجَرْتُمُوهُ، وَتَصَرُّمَ عِدَّةِ نِسَائِكُمْ، وَوَقْتَ صَوْمِكُمْ، وَإِفْطَارِكُمْ، فَجَعَلَهَا مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَالْحَجِّ} فَإِنَّهُ يَعْنِي وَلِلْحَجِّ، يَقُولُ: وَجَعَلَهَا أَيْضًا مِيقَاتًا لِحَجِّكُمْ تَعْرِفُونَ بِهَا وَقْتَ مَنَاسِكِكُمْ، وَحَجِّكُمْ.