الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قَوْمٍ كَانُوا لَا يَدْخُلُونَ إِذَا أَحْرَمُوا بُيُوتَهُمْ مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِهَا.
عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا}
يَقُولُ «لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ كَوَّاتٍ فِي ظُهُورِ الْبُيُوتِ، وَأَبْوَابٍ فِي جُنُوبِهَا تَجْعَلُهَا أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ. فَنُهُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْهَا وَأُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا مِنْ أَبْوَابِهَا»
وعَنِ السُّدِّيِّ، قَوْله" {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} فَإِنَّ نَاسًا مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا إِذَا حَجُّوا لَمْ يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ مِنْ أَبْوَابِهَا كَانُوا يَنْقُبُونَ فِي أَدْبَارِهَا، فَلَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّةَ الْوَدَاعِ أَقْبَلَ يَمْشِي وَمَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أُولَئِكَ وَهُوَ مُسْلِمٌ. فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَابَ الْبَيْتِ احْتَبَسَ الرَّجُلُ خَلْفَهُ وَأَبَى أَنْ يَدْخُلَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَحْمَسُ يَقُولُ: إِنِّي مُحْرِمٌ وَكَانَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ يُسَمَّوْنَ الْحُمْسُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَنَا أَيْضًا أَحْمَسُ فَادْخُلْ» فَدَخَلَ الرَّجُلُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} "
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: وَلَيْسَ الْبِرُّ أَيُّهَا النَّاسُ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ مِنْ ظُهُورِهَا، وَلَكِنُّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى اللَّهَ فَخَافَهُ، وَتَجَنَّبَ مَحَارِمَهُ، وَأَطَاعَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا، فَأَمَّا إِتْيَانُ الْبُيُوتِ مِنْ ظُهُورِهَا فَلَا بِرَّ لِلَّهِ فِيهِ، فَأْتُوهَا مِنْ حَيْثِ شِئْتُمْ مِنْ أَبْوَابِهَا وَغَيْرِ أَبْوَابِهَا، مَا لَمْ تَعْتَقِدُوا تَحْرِيمَ إِتْيَانِهَا مِنْ أَبْوَابِهَا فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لَكُمُ اعْتِقَادُهُ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ أُحَرِّمْهُ عَلَيْكُمْ